أنهت الثانوية العامة والتحقت بدراسة الإعلام، وهي تضمر في ذاتها حلماً إعلامياً أكبر، فمنذ أيام دراستها الأولى واجهت الكاميرا وخاطبت الجمهور، فغاصت أكثر في البرامج الاجتماعية، وتلك المتعلقة بالأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة، وأثناء دراستها الجامعية وما بعدها تنقلت بين 5 وسائل إعلامية تبث الواقع على أرض فلسطين، فتشتت أحلامها وطموحاتها في أكثر من اتجاه وحقل، أما بوصلتها الوحيدة فظلت عالم الطفولة وأجيال الغد، أملاً منها في أن تنقذ موهبة فلسطينية بريئة من فوهة مدفع إسرائيلي لا يرى سوى القتل.

بمجرد أن دخلت الإعلامية نهيل موسى حقل العمل التلفزيوني الذي رافق مشوارها الدراسي في جامعة القدس، اندلعت أحداث أضخم انتفاضة فلسطينية، ولا تزال شظاياها مشتعلة إلى الآن، وهي انتفاضة الأقصى، وتلك الواقعة أتت على كل شيء، فاقتحمت اليوم المعيشي لأهل فلسطين، حتى صارت الشغل الشاغل للجميع، أما صناع الإعلام فظلوا في الحقل الأكثر خطراً. نهيل التي قدمت إلى الإمارات قبل أقل من عامين، باحثة عن عمل تؤمن به طموحاتها المستقبلية، بعد أن بدأت أحلامها تصطدم يومياً على صخرة الحواجز الإسرائيلية بين رام الله والقدس، تعمل حالياً في دبي في إطار شركة إنتاج أفلام وبرامج ترفيهية تابعة للخطوط الجوية السعودية، لكنها تحفظ في ذات الوقت ذاكرة لا تمحوها مفارقات العيش بين رام الله ودبي، لا سيما أنها عملت منذ العام 1999 وحتى نهاية 2005 في حقل مشبع بالمخاطر والتضحيات، وذلك في خضم أخطر انتفاضة أو مواجهة مسلحة بين شعب شبه أعزل وجيش في أعلى مراتب القوة والغطرسة.

إطلالة مغايرة: وفي وسائل الإعلام الفلسطينية كانت لنهيل كلمة وإطلالة مغايرة، فالجميع كان يتحدث عن اجتياح هنا ومواجهات هناك، وقتل وتشريد وحصار في أماكن أخرى، في حين أن نهيل ظلت تسابق الزمن لإظهار الجانب الآخر من الحياة، وهو الأمل والفرح وتحقيق الذات عبر الموهبة، وهي تقول إنها نجحت في مشوارها بنسبة معقولة، لكنها تؤكد أن أطفال فلسطين لا يزالون يدفعون الثمن الأغلى للحرب المتواصلة هناك، وهم الضحية بلا منازع. وبينما كانت تشتعل شوارع وميادين رام الله، المدينة التي احتضنت عمل نهيل القادمة من مدينة القدس، كان الفتية يهربون ويتناثرون في كل اتجاه، وبعضهم يسقط مدرجاً بدمائه وهو ممسك بحجر التقطه ليرفض به الاحتلال، وفي تلك الأثناء ظلت نهيل تسير بثقة وإصرار نحو الطفل الفلسطيني الذي تراه الأكثر قوة وكبرياء بين أطفال العالم، لتضعه في عالم آخر غير عالم الاجتياح والإغلاق ومنع التجول ومواجهة «الجيبات» والدبابات الإسرائيلية الداخلة عنوة إلى قلب البيت الفلسطيني.

عالم الموهبة: ذلك العالم هو الموهبة الجميلة التي تبقي للطفل الفلسطيني أملاً في الحياة، وترسم في مخيلته مستقبلاً يشرق من بين غيوم الاحتلال والظلم القاتمة، وبتلك الموهبة الدفينة في كينونة الطفل في ظل الحرب، تمكنت نهيل من الأخذ بيد عشرات الصغار إلى عالم أنقى، وأخذت بعضهم إلى حيث لم يتوقع أحد، فأوجدت دعماً محدوداً لمواهب لامعة، ومنحتها أجنحة صغيرة ستنمو يوماً وتكبر فتضيف إلى صاحبها قوة في التعبير عن واقع فلسطيني لا يريد الحرب، بل يخوضها مجبراً ومضحياً لأنها قدر محتوم ومصيري. وتحقيقاً لحلم كبير تضمره في ذاتها، اقتحمت نهيل بمرافقة كاميرا وحيدة عشرات الحواجز الإسرائيلية داخل المدن وفي محيطها، ووصلت إلى أكثر من بيت فلسطيني بعد تعثر وصبر وإصرار لا يقوى عليه ربما الرجال.

وفي النهاية قهرت نهيل الفتاة الجامعية مدافع الاحتلال وأخرجت مواهب فلسطينية إلى النور، فبعد أن كان طموح نهيل ينصب في نقل الموهبة الفلسطينية إلى العالم، صار أقصى همها أن تمنح أطفالاً يعيشون في قلب المعاناة، بعض البرودة المنعشة لمواجهة حرارة المدافع والنيران المشتعلة في كافة بقاع فلسطين، وعلى ذلك النحو سارت نهيل تلملم المواهب والأحلام الطفولية، وتمنحها بعض الأمل في حياة مقبلة ربما تكون أجمل وأكثر تشويقاً.

فاتورة الدم

وفي ظلال الحرب، لم يكن بوسع أطفال فلسطين رؤية جماليات الحياة بحكم أن آلة العدوان الإسرائيلية هناك تستعجل الموت في كل زمان ومكان، وكثير من الصغار دفعوا فاتورة الخروج في توقيت خاطئ دماً، ومنهم محمد الدرة وفارس عودة، ولا يتسع المجال لذكر المزيد لأنهم كثر، وهذا الواقع بنظر نهيل كان عبئاً كبيراً على الطفل الفلسطيني المتواجد في قرية أو مدينة أو مخيم فلسطيني، وبالتأكيد كان عبئاً أثقل على الطفل الفلسطيني من ذوي الاحتياجات الخاصة، فأدنى حاجياته لم تكن متوفرة له ولا تزال.

عملت نهيل في خضم واقع مشتعل، لكنها اختارت أن تتعامل مع الواقع على أنه حتمي، وراحت ترسم في دفاترها المعدة للنشر صورة أخرى من الوطن فلسطين، وتلك الصورة هي لون الفرح والطموح والأحلام الجميلة ورؤية المستقبل بخلفية بيضاء، لا سيما عند الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، فقررت نهيل مساعدة الطفل الفلسطيني إعلامياً حتى يبصر الحياة من فوهة أخرى غير فوهة المدافع، وتلك الفوهة كانت بصيص الأمل المتسع كما ترى نهيل.

القدس ورام الله

وبحكم أنها من سكان مدينة القدس، وكانت تصل إلى مدينة رام القريبة قبل اندلاع الانتفاضة في مدة لا تتجاوز 15 دقيقة، صارت تصلها في ظل الواقع المعاش حالياً بعد 4 ساعات أو أكثر، هذا إن كان مزاج الجندي الإسرائيلي الممسك بأقفال الحاجز معتدلاً، ففي غالب المرات تضطر نهيل إلى الانتظار لساعات ثم لا يسمح لها بالدخول فتعود إلى بيتها دون عمل، حيث لا يعترف المحتل بمسمى إعلامي أو غيره في مرات كثيرة.

ورغم هذا الواقع ظلت نهيل تصر على حلمها في منح الأطفال في رام الله والمناطق القريبة بعضاً من الأمل والفرح، فأخرجت إلى النور عشرات المواهب الصغيرة، وحملت بعضها منها إلى مجالات أوسع، حيث تدخلت بعض الجهات والمؤسسات الأهلية للأخذ بأيدي صغار يستحقون المساعدة لمواهبهم الخارقة، وتؤكد نهيل أن وجه المعاناة يرسم دائماً ملامح أبرز من التفوق والإبداع، وذلك بالتحديد واقع صغار فلسطين التائهين في غبار المعركة، وهم بالتأكيد الأحوج إلى من يلتفت إلى مكنوناتهم الجبارة، بينما هم أنفسهم لا يدركونها.

أطفال الحجارة

الشعر والموسيقى والغناء والكمبيوتر والدبكة الفلسطينية، كلها مواهب كانت لدى الصغار، وتمكنت نهيل من استنباطها وترجمتها عبر تقارير وبرامج تلفزيونية لتخفف من واقع أصحابها ومن في دائرتهم، بعيداً عن ممارسة هواية «أطفال الحجارة»، وذلك كان حصيلة إصرار لسنوات، تنقلت خلالها بين أكثر من بيت وقرية، وفي مخيمات صيفية تعنى بالأطفال الأصحاء أو ذوي الاحتياجات الخاصة.

حالياً تعمل نهيل في حقل إعلامي مختلف، لا علاقة له بعالم الطفولة، لكنها ومن خلال موقعها الوظيفي في دبي، تطمح للإمساك بطرف خيط لإخراج فيلم معبر عن الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، هنا في الإمارات، وهي تعتبر أن الأطفال أينما وجدوا يشتركون دائماً بصفات محددة، لعل أبرزها البراءة، وهو ما يقربها من هذا العالم المليء بالفرح والعفوية كما تقول، علها تنجز له شيئاً تحفظه دفاتر التاريخ، ويبقى في الذاكرة رصيداً إيجابياً تتغذى عليه براءة ونقاوة الصغار في فلسطين وفي غيرها من البلدان العربية.

مشوار

نهيل موسى فتاة فلسطينية تبلغ من العمر 27 عاماً، تخصصت في الإعلام في جامعة القدس «أبوديس»، وعملت في هذا المجال منذ سنوات دراستها الأولى، حتى غاصت في عالم الطفولة والبراءة والجمال في سنوات عصيبة. ونهيل تعيش حالة اشتياق دائمة إلى شوارع وحارات القدس العتيقة وأحياء رام الله الجميلة كما تقول، لكنها آثرت أن تكمل مسيرتها وطموحها الإعلامي بعيداً عن جمود الواقع، فساقها القدر إلى الإمارات.

دبي ـ عنان كتانة