لم تكن دور السينما في العاصمة الأردنية عمان مجرد أماكن لعرض الأفلام بل شكلت خلال عقود طويلة أحد المعايير التي تساهم في قياس مدى تقدم المجتمع بكامله وتكيفه مع مستجدات العصر، كما شكلت في حقب مختلفة أماكن للحراك الثقافي والاجتماعي، وهي الى جانب ذلك كله كانت أحد أبرز معالم قلب العاصمة التي تعرف باسمها الدارج (وسط البلد) والتي ميزتها عن غيرها من المحافظات سنوات طويلة. وقد بلغ عدد دور السينما في عمان وحدها 23 دار عرض صمم بعضها ليصلح مسرحا.
وخلال مقابلتنا مع عدد من مديري دور السينما القليلة المتبقية سرعان ما تحول الحديث الى مقارنة بين زمنين تباعدت بينهما المسافات حتى يمكن وصفهما بالعالمين المختلفين. بين زمن كانت فيه دور السينما تغص بالمرتادين وتستقطب نخبة عمان المثقفة وزمن تحولت فيه الى أماكن خاوية. وأخيرا وذلك أضعف الإيمان كانت قديما لا تدخل الا بتذكرة يبتاعها المرتادون من شباك التذاكر لكنها اليوم تدخل بالمقايضة فبعضهم يعرض علبة سجائر وآخر يعرض تنظيف الصالة حتى أن أطرف ما مر به أحد العاملين على شباك التذاكر هو أن يعرض عليه أحد المرتادين «جوربا» قيمته في السوق 25 قرشا لقاء السماح له بقضاء بعض الوقت في السينما بانتظار أخيه ليقله الى العمل!
حول هذا الموضوع التقى «الحواس الخمس» عددا من العاملين فيها من بينهم محمد النجار الذي قال: لقد مر عصر ذهبي بكل معنى الكلمة على دور عرض السينما ، حتى انني سافرت شخصيا في الثمانينات الى الهند ومصر التي كانت أفلامها من أهم عوامل جذب المرتادين لتأمين الأفلام وتلبية الطلب الهائل في ذلك الوقت ، أما الآن فلم يعد هناك قطاع دور سينما بل هناك بضع صالات عرض لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة تكافح لتبقى أبوابها مفتوحة وغالبيتها أغلقت على خسائر بمئات الألوف. وحول أسباب انهيار هذا القطاع أضاف النجار: إن انتشار أقراص CD الذي لا يتجاوز ثمن الواحد منه الربع دينار بينما لا يتعدى سعر جهاز العرض العشرين دينارا كان من بين الأسباب التي أدت الى الكارثة التي حلت بهذا المجال واستطرد قائلا: إذا كان بوسع أي شخص الآن أن يحضر فيلما على هاتفه النقال فلماذا يأتي الى السينما؟
وحول الحلول التي يعتقد النجار أنها ممكنة للخروج بهذا القطاع من الإفلاس التام قال: ان ما يحدد هذه المسألة هو طبيعة الجمهور، فالناس بشكل عام ليسوا جمهور مسرح، ناهيك عن قلة الإنتاج المسرحي وندرته كما أن الفئة التي تبحث عما هو جديد من الأفلام وهي الفئة المتخصصة من الجمهور لم يعودوا من رواد دور السينما وإنما يمكنهم عبر الإنترنت أن يحصلوا على أحدث الأفلام وأن يشاهدوها في بيوتهم. وحول تأثير العامل الثاني من عوامل انهيار دور السينما وإغلاقها وهي ظاهرة تلفزة السينما التي تعد من الظواهر المؤثرة تأثيرا مباشرا على دور العرض ، قال يوسف جميل الذي يعمل في مجال صالات العرض منذ أكثر من 35 عاما : لا أزل أذكر أن التعبير الذي كان سائدا عن السينما هو عبارة تذوق الأفلام لأن للحضور إلى السينما ومشاهدة الفيلم على الشاشة الكبيرة مذاق خاص لا يمكن الحصول عليه عن طريق التلفزيون.
فعلى سبيل المثال اللقطة التي صورت أصلا لتظهر الشخصية وخلفها صورة لها معنى واضح في دلالة الموقف الدرامي عندما تعرض على التلفاز ستظهر رأس الشخصية وهي ملتصقة بأعلى الشاشة دون الصورة التي تشكل خلفية المشهد، ناهيك عن أن حجم الشاشة الكبيرة في دار السينما يعطي للفيلم كينونة ودلالات تميزه عن الشاشة الصغيرة ولا يمكن تحقيقها عبر التلفاز.
عبد السلام شاهين الذي عمل مديرا لأكثر من دار سينما منذ حوالي أربعين عاما ويدير حاليا إحدى أقدم دور العرض في العاصمة عمان وهي دار سينما الحمراء قال بلهجة تعلوها المرارة: لقد ذهب إلى غير رجعة الزمن الذي كنا فيه نحتاج الى أكثر من ساعة لنتمكن من تنظيم رواد السينما في طابور و ضبط الأمور وترتيب المقاعد لمجرد أن تعرض الدار فيلما مصريا جديدا. وذلك قبل أن تشيع ظاهرة العرض المتواصل الذي أفقد السينما كثيرا من شخصيتها فأصبحت تتداخل العروض وتتكرر بلا فوارق حقيقية.
وحول الدور الذي يعول عليه مستأجرو دور العرض وأصحابها من الجهات الرسمية قال شاهين: إن الجهة الرسمية المختصة بالموضوع هي هيئة المرئي والمسموع التي كانت من هيئات وزارة الإعلام وعندما الغيت الوزارة انحصر دورها في الرقابة على الأفلام وترخيصها وإجازة عرضها، وليس من اختصاصها حل مشكلات القطاع بكامله. والآن هناك أكثر من قناة فضائية متخصصة بعرض الأفلام وعلينا أن نواجه الحقيقة لأن الزمن لا يرجع إلى الوراء فأنا لا أرى أي حل في الأفق لمشاكل دور العرض.
عمان - محمد أبو رحمة



