بالرغم من أن حظوظ الفنان الشاب أحمد عيد لم تكن موفقة في أعماله السابقة، إلا أنه استطاع بفيلمه الذي يعرض حاليا في دور العرض السينمائي «رامي الاعتصامي» أن يحقق نجاحا بالفعل كان منتظرا نسبة للكاريزما التي يتمتع بها في مجاله وقدرته الفائقة على توظيف إمكاناته الإبداعية في خدمة العمل، ساعده على ذلك ما يتضمنه الفيلم من أفكار تعالج العديد من القضايا من خلال الاعتصامات التي يقودها بطل الفيلم مع عدد من شرائح المجتمع.
الفيلم الذي أخرجه سامي رافع وقام بتأليفه لؤي السيد من بطولة أحمد عيد، آيتن عامر، أحمد راتب، سامي مغاوري وعدد آخر من الممثلين، تدور الأحداث حول شخصية رامي الاعتصامي التي يجسدها أحمد عيد، وهو ابن مدلل لرجل أعمال كبير يضيع أوقاته في شرب المخدرات مع مجموعة تافهة من الأصدقاء، ليس لهم هم إلا اصطياد الفتيات.
لذلك دارت أحداث الجزء الأول من الفيلم حول المنافسة بين عيد ومغنٍ شاب حول فتاة - آيتن عامر- تفتقد لأي هدف في الحياة، ورغم فساد الابن المدلل - عيد - واستهتاره فإن المصادفات ورغبته في الاستحواذ على الفتاة التي يتنافس عليها قادته للتفكير في قيادة عدد من أصدقائه للمطالبة بتغيير النشيد الوطني، لكن يحدث أن ينضم لهؤلاء الشباب جماعة أخرى من المهمشين وأولاد الفقراء ثم جماعة ثالثة من الإخوان المسلمين.
من خلال هذه الأحداث تعرض الفيلم لظاهرة الاعتصامات الشعبية التي غزت مجتمعاتنا العربية خلال الأعوام الأخيرة، ورصدت الأحداث مواقف عديدة قصد بها القائمون على العمل طرق جوانب لم تكن مطروقة من قبل.. معتمدين على كوميديا الموقف.
مشاهد مفتعلة
فيما كان التركيز بأن تكون الاعتصامات سلمية كثقافة سياسية جديدة على المجتمعات العربية، كانت ذروة الكوميديا في العمل عندما طالب المعتصمون أمام مجلس الوزراء رئيس الوزراء بتغيير النشيد الوطني، وشكل علم الدولة بنشيد وعلم جديدين يتناسبان مع الموضة، وهو المشهد الذي رآه الناقد الفني رفيق الصبان «مشهد مفتعل»، وأشار إلى أن تلك الشريحة من الشباب التي تناولها الفيلم يفترض أن تكون للضحك المسلي، لكن أن يدخل هؤلاء معترك السياسة ليناقشوا قضايا من صميم السياسة فهو تسطيح حقيقي، واستغلال للسياسة لتحقيق إضحاك فاسد ومبتذل.
وبالرغم من أن الفنان أحمد عيد أكد على نجاح فيلمه بشكل أرضاه كثيرا على حد تعبيره، موضحا أن كل الفنانين الذين شاركوه العمل كانوا على مستوى عالٍ من الأداء، وأنه شاهد بنفسه نسبة المشاهدة العالية، والإقبال الشديد على الفيلم رغم تواجد أفلام منافسة.
إلا أن فريقا من النقاد اتهم الفيلم بأنه كان مجاملاً للسلطة، وقدم لها خدمة كبيرة من خلال أحداثه، ووصف هؤلاء النقاد الفيلم بأنه جاء كتبييض لوجه الحكومة، مبررا من خلال أحداثه الحلول الأمنية الشديدة التي تنتهجها مع المعارضة عند مطالبتهم بحل قضاياهم، واعتبروا الرؤية العامة للفيلم فاسدة، بينما تظهر في قالب ثوري، ووصفوا الفيلم بأنه قدم صورا لشباب تافه مهووس بالمخدرات والإنترنت، وكل همومه المظاهرات والاعتصامات من الفيس بوك.
لكن البعض من النقاد اختلف مع الحكم السابق على الفيلم، وأكد أن أحداثه قد عكست واقعا معاشا حيث استطاع هؤلاء الشباب أن يعكسوا مطالب جماعات أو فئات معينة، وتصدوا لمخاطر كبيرة بانحيازهم لمطالب الغلابة والمظلومين، وليس من الغريب أن يتحول هؤلاء إلى شباب صالح ومتفهم لقضاياه ويتعامل معها بمسؤولية.
واعتبروا ما أورده بعض النقاد من أن الفيلم يبيض وجه الحكومة أمر غير صحيح، لأن الاعتصامات والتظاهرات التي أقامها هؤلاء الشباب لم تكن تتضمن مطالب أو تأييدا للحكومة بل كانت خصما للحكومة حيث ظهروا - رغم تناولهم الكوميدي للأحداث - أكثر حرصا في مطالبهم حتى ولو سلميا، لافتين أن قصص الحب التي ظهرت خلال الاعتصامات أمر وارد في أي تجمع بأن يعشق اثنان وتمتد علاقاتهما إلى حب حقيقي.
أدوار نمطية
ووسط هذا الانقسام بين النقاد قال أحمد عيد إنه لم يقدم فيلما سياسيا سوى فيلم (ليلة سقوط بغداد)، أما بقية أفلامه كلها فلا علاقة لها بالسياسة مطلقا، وأوضح أن «رامي الاعتصامي» له علاقة بالحياة السياسية إلا أنها جاءت في أسلوب سهل وبسيط من منطلق أننا في حياتنا العامة نتعامل مع السياسة حتى في تعاملاتنا الاقتصادية والاجتماعية، لكن هذا لا يعني، على حد تعبير عيد، أن حياة الناس كلها سياسية.
ورغم إعجاب عيد بفيلمه إلا أن الفيلم غابت عنه الرؤية الخاصة في الإخراج، كما لم ينجح أحمد عيد في تأكيد حضوره بشكل جيد مثل أفلامه السابقة، وكذلك أدى بقية الممثلين ـ باستثناء آيتن عامر ـ أدوارهم بشكل نمطي بلا إبداع خاص.
وبرغم نجاح الفيلم في تحقيق إيرادات مقبولة في دور السينما، إلا أنه من الناحية النقدية وقع في فخ اقتباس كثير من جمله من أفلام سابقة لآخرين، ما يعتبر إفلاسا للعمل، كما تعرض العمل لانتقادات عديدة كونه لم يقدم أي تبرير مقنع للخط الدرامي في بعض المواقف.
خاصة فيما يتعلق بموقف الإسلاميين المتشددين الذين شاركوا في الاعتصام، وعرضوا وجهة نظرهم بالقوة دون النظر لخطورة الأمر الذي يهدد حياة أبرياء ذنبهم أنهم يطالبون بحقوقهم مثلما رأوا أن لهم حقوقا، واعتبروا أن هذه الطريقة فيها إجهاض للموقف السلمي، وإدانة للوقفات الاحتجاجية، أو الاعتصام، وتفريغها من مضمونها.
القاهرة ـ (دار الإعلام العربية)


