كل يوم يتأكد أن الفن لغة عالمية، سواء كان تمثيلا أم غناء أم نحتا، كل يوم يتأكد أنه لم يعد هناك غناء خاص بقوم دون غيرهم، فاللبنانيون يُطربون للأغاني الخليجية والخليجيون يُطربون لأغاني بلدان المغرب العربي، والأغاني السودانية والنوبية تطرب الناس في كل مكان، وفي هذا الإطار عرفت الناس والإذاعات مطربين اشتهروا هنا وهناك، غير مطربي القمة.
اشتهر بعضهم بأغنية أو أغنيتين يمكن تسميتها بأنها أغاني عابرة ، عبرت الحدود والمناخات، ورددها الجميع، من هؤلاء عبد الوهاب الدوكالي ومحمد وردي وسعدون جابر، وعندما غنى عبد الحليم حافظ «يا هلي» أطرب مستمعيه في المشرق والمغرب والملايين لا يملون سماع صباح فخري وهو يقول «ابعت لي جواب» وغير هذه الأغنيات الكثير والكثير.
في هذا الإطار جاءت أغنية الفنان الإماراتي حسين الجسمي«بحبك وحشتيني»، أغنية في اللهجة المصرية لكنها نالت رواجاً خليجياً وعربياً لم يتوقعه الكثيرون.. وبعد تألق الجسمي في تلك الأغنية بلهجة غير التي اعتادها لسانه، اعتمدت الإذاعة المصرية اسم الفنان الإماراتي لديها، وذلك الاعتماد ليس سهلاً حتى على الفنانين المصريين، وهو إن دل على شيء إنما يدل على أن الجسمي نال الدرجة الكاملة في اختبار الغناء بغير لهجته، فكان حقاً مبدعاً في أغنيته.
غير الجسمي، يوجد العديد من الأسماء الفنية الخليجية التي غنت بغير لهجاتها المحلية، وغالباً في اللهجتين المصرية واللبنانية، فأحلام غنت وتألقت في أغنيات غير إماراتية، ومثلها فعل راشد الماجد وعبدالله الرويشد ونبيل شعيل، وغيرهم الكثيرون من جيل الفنانين الشبان.
وفي هذا الإطار أيضا جاء ألبوم الفنانة اللبنانية ديانا حداد، ألبوما خليجيا بالكامل، وهو «من ديانا إلى...» ويضم 10 أغنيات خليجية، بعد نجاح أغنيات خليجية لها من قبل. الفنانة أصالة نصري هي الأخرى لمعت في ساحة الأغنيات الخليجية، التي أضفت على مشوارها الفني مزيداً من التألق والنجاح، وهي تقر دوماً بقناعتها في الغناء باللهجة الخليجية، لما لها من تبعات إيجابية تدعم حضورها الفني على الساحة العربية، خاصة وأن أغنياتها لاقت نجاحاً كبيراً.
أسوة بالفنانتين ديانا حداد وأصالة، غنى من قبل الفنان كاظم الساهر أغنيات خليجية، ومثله غنت نانسي عجرم ومريام فارس ويارا ودينا حايك وغيرهن، إضافة إلى خالد سليم الذي غنى «لو تعرف» الخليجية في ألبومه الأخير الذي يحمل اسم الأغنية ذاتها.
موضوع حديثنا هو غناء الفنانين الخليجين بلهجات غير خليجية، حيث تجسد الساحة الفنية العربية مشاهد نجاح كثيرة لأسماء فنية خليجية لمعت في سماء الأغنية العربية، فحظيت بقبول ونجاح ، أما آراء الفنانين حول هذه الظاهرة الفنية فتبدو مختلفة نسبياً من اسم إلى آخر، وذلك على الرغم من أن الآراء بمجملها صبت في خانة الموافقة على الغناء، أو المبادرة بالغناء في وقت سابق بلهجات غير خليجية.
الفنان الإماراتي هزاع المنهالي، وهو فنان شعبي ملتزم بالغناء في دائرة المحافظة على التراث الإماراتي، وذلك اللون هو الوحيد الذي جسده حتى الآن، وهو يقول إنه تمكن حتى الآن من إصدار ثلاثة ألبومات خليجية شعبية تراثية، آخرها كان «قلب للبيع» الذي نال جائزة «البلاتينيوم» عن حجم مبيعاته في السوق، مشيراً إلى أنه لا يمكن أن يغني بغير اللهجة الخليجية المحلية، رغم أنه تقبل فكرة الغناء الخليجي على إيقاع إماراتي، ولكن في حدود الأغنيات الشعبية الخليجية.
وأكد المنهالي أن جمهوره ينحصر في شريحتي الخليجي والإماراتي، وهو فنان شعبي محافظ على نهجه الغنائي في هذا الإطار، وقانع بالبقاء في مجال ارتضاه لنفسه، ولا يريد لأغنياته أن تخرج بعيداً عن لهجته لأكثر من سبب، واحد منها أنه لا يحترف أية لهجة عربية، لافتاً إلى أنه لحن قبل ذلك أغنيات عربية لمطربين عرب، ولديه القدرة على التلحين للأغنية العربية وليس غنائها.
أما الفنان الإماراتي منذر الجنيبي فيوضح أنه لم يغنِ من قبل أية أغنية بغير اللهجة الخليجية، لكنه لا يمانع أن يؤدي أغنيات بلهجات عربية في حال تمكن من إجادة اللهجة، كاشفاً عن أنه يحضر في هذه الأثناء لألبومه الثاني الذي من المتوقع أن يخرج إلى النور في صيف 2009، وهو مبدئياً يضم أغنية باللهجة المصرية كتجربة أولى له في الخروج إلى الجمهور العربي بلهجات غير لهجته الأولى.
الفنان الكويتي عصام كمال، أكد أنه يرغب في تقديم كافة ألوان الغناء العربي، دون الوقوف عند لهجة معينة، وأنه قدم من قبل أغنية مصورة اسمها «متربع هنا»، وهي «دويتو» مع الفنانة دينا حايك، ولاقت نجاحاً كبيراً، وقدم قبل ذلك أغنية باللهجة المصرية ولاقت قبولاً جماهيرياً معقولاً.
ويرى كمال أن الفنان وما دام قادراً على الأداء باللهجات المختلفة، فلا مانع أن يغني بغير لهجته، حيث أن الجمهور العربي لم يعد على عهده في السابق، وهو يتلقف الأغنيات الناجحة دون البحث عن جنسية أو لهجة ، أضف إلى ذلك أن الفضائيات المنتشرة قربت الجماهير من الفنانين، وبات لزاماً على الفنان أن يؤدي أغنيات بلهجات متعددة ليحقق الانتشار والاستجابة لمتطلبات الأذواق المتعددة.
الفنان الكويتي عبدالعزيز الضويحي قدم من قبل أغنية مصرية في ألبومه الأخير «حطيتك براسي»، وهي «لو نسيتوه» من ألحان الفنان أحمد سعد، وبحسب ما يقول فقد لاقت أعنيته تلك نجاحا عربياً جيداً، وبرأيه فإنه من حق أي مطرب أن يقدم أغنيات باللهجة التي يريدها طالما أن اللهجة لديه متقنة ومتماسكة.
ويعتبر الضويحي أن العالم العربي مسرحاً مشتركاً لجميع الفنانين دون النظر إلى جنسية أو دولة، فالجميع يغني في مهرجانات عربية مختلفة، والشاشات الفضائية لم تعد حكراً على أحد، طالما أنها تغزو كل بيت عربي، فمن يملك القدرة على الأداء بغير لهجته فليقدم إن أراد.
زميله الفنان مساعد البلوشي قدم أغنية مصرية «ليه جبتو سيرته» في ألبومه «تملكني»، وهو يؤكد أنه من حق أي مطرب أن يغني بغير لهجته، طالما أنه يجيدها تلافياً لأن يقع في دائرة الانتقاد، مشيراً إلى أسماء فنية خليجية كثيرة نجحت وتألقت في أغنيات غير خليجية.
أما الفنان يوسف العماني فقد غنى هو الآخر باللهجتين المصرية والمغربية، وأغنيته المصرية الأخيرة وطنية، اسمها «باحبك يا مصر»، وهو يشجع الفنانين الخليجيين على الانتشار خارج حدود الدولة أو الخليج، مع الحرص على أداء أغنيات خليجية أيضاً، ليكون لسان الفنان عربياً فصيحاً.
أما فرقة ستار الإماراتية فتقدم هي الأخرى في ألبومها الذي تستعد لإصداره بعد شهرين أغنية باللهجة المصرية، وهي ألحان وكلمات أشرف خيري.
بذلك الواقع الإجمالي يجسد الحال الفني الخليجي تضامناً وتفهماً عميقاً لأداء أغنيات بلهجات غير خليجية، أسوة بنظرائهم الفنانين العرب الذين أجادوا اللهجة الخليجية غناءً، ليؤكد الجميع أن الوطن العربي لا يعترف بالحدود والجغرافيا، على الأقل في الأغنية التي تجمع قلوباً عربية موحدة في أكثر من قطر عربي.
دبي ـ عنان كتانة



