حاولت بعض الأسماء الفنية الخليجية، التي برزت بقوة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، إعادة إنتاج نفسها وشخصياتها الكوميدية وتقديمها مرة أخرى للمشاهد من خلال أعمال حديثة، لكنها فشلت في الوصول إلى ما كانت تسعى إليه من محاكاة تلك الأعمال، بل إنها شوهت الصورة الجميلة، التي كان يحتفظ بها المشاهد الخليجي عنها.

ويبدو أن هؤلاء الفنانين الكبار بعطائهم لم يستطيعوا قراءة المشهد الفني الحديث قراءة صحيحة، ولم يأخذوا عبرة من نظرائهم الكوميديين العرب أمثال الفنان السوري دريد لحام الذي قدم عملين أو ثلاثة في العصر الحديث، وانسحب باحترام حين وجد أن الشارع لم يتقبل أعماله الحديثة بالروحية ذاتها، التي كانت يتقبل بها «غوار» و«ضيعة تشرين» و«غربة» و«كاسك يا وطن». من أبرز الفنانين الخليجيين الذين حاولوا إعادة تقديم أنفسهم للمشاهد الخليجي في زمننا الحالي، نجم الكوميديا الكبير بعطائه عبد الحسين عبد الرضا، وكانت بداية العودة بعد انقطاع سنوات قليلة في نهاية تسعينات القرن الماضي مع المسلسل الكوميدي «زمان الإسكافي» الذي يعد عملاً تاريخياً باللهجة الكويتية المحلية، وهي طريقة فنية ابتدعها وأبدع فيها فنانو الكويت.

لكن العمل رغم ذلك لم يرقَ لأعمال عبد الرضا السابقة، ثم عادت فترة الانقطاع ليقدم مرة أخرى مع الفنان الراحل خالد النفيسي مسلسل «الحيالة»، في مجاراة يبدو أنها مقصودة لشخصيته وشخصية شقيقه في مسلسل «درب الزلق» الشهير، الذي ظهر فيه بشخصية «حسين بن عاقول». وكان المبدع سعد الفرج يؤدي دور شقيقه «سعد بن عاقول»، ورغم الأجواء والمواقف الطريفة التي بُني عليها المسلسل؛ إلا أنه لم يتمكن من تخطي عقبة «درب الزلق» السبعينية، لاختلاف رؤية وثقافة المشاهد في الوقت الحالي عن الزمن الفطري الذي ظهر فيه المسلسل الشهير.

«التنديل»

لم يتراجع الممثل الكويتي عبد الحسين عبد الرضا، الذي يعتبر بعيداً عن المسميات الفنية التي يستحقها عن جدارة، أبرز نجم كوميدي ظهر في الساحة الخليجية إلى هذه اللحظة، ولسنا في مجال إجراء مقارنة بينه وبين الآخرين نقول إنه لم يتراجع عن طريقه في إعادة تقديم نفسه للمشاهد الخليجي، فأنجز هذا العام مسلسل «التنديل» مع عبد العزيز جاسم وإبراهيم الحربي.

وقد حاول عبد الرضا في هذا العمل أن يختار نصاً ؟ وهو للكاتب فالح الهاجري ـ يعود بالمشاهد إلى حقبة زمنية بعيدة في منطقة الخليج، أي فترة الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، وبعيداً عن الكوميديا قدم عبد الرضا هذا العمل ضمن إطار تراجيدي، في فلسفة فنية تقول إن الفنان الكوميدي هو الأكثر قدرة على تقديم الأعمال التراجيدية.

ولعل عودة سريعة لأعمال عبد الحسين عبد الرضا، تأخذنا مباشرة إلى «أيام الزمن الجميل» كما يطلق عليها الكتاب والمثقفون، فمن المواقف الطريفة التي تمتاز بالتلقائية في «درب الزلق» إلى الخلطة الكوميدية السحرية في الأوبريت الجميل «بساط الفقر» ومسرحياته التي لن تنسى في «باي باي يا عرب» و«باي باي لندن» و«فرسان المناخ» وعشرات من الأعمال التي لا تزال في ضمير المشاهد العربي والخليجي، ومع ذلك فإن عبد الحسين عبد الرضا لم يستطع ؟ رغم إمكاناته الفنية العالية ـ من تقديم أعمال حديثة ترقى إلى ما سبق تقديمه.

لا يقتصر الأمر علي عبد الحسين عبد الرضا في تكرار عمل معين؛ فقد استمر الكاتب الإماراتي جمال سالم بكتابة نصوص المسلسل الإماراتي «حاير طاير» بطولة «جابر نغموش» لعشر سنوات منذ عام 1998، حين ظهر الجزء الأول من هذا العمل الذي لاقى أصداء طيبة في الإمارات وخارجها. وتم تنفيذ الجزء الخامس من العمل عام 2008 بإخراج عارف الطويل.

ورغم الجهد المبذول في العمل إلا أن «حاير طاير» أعاد تكرار نفسه في حلقات عدة من حيث الأجواء والموضوعات، وهو ما أدخل الملل إلى بعض من شاهد الجزء الأخير فيه. ورغم ذلك يقول جمال سالم عن العمل في إحدى لقاءاته: «إنني ملتزم في جميع أجزائه ـ يعني الجزء الخامس ـ بتقديم 30 حلقة كاملة لا تشوبها شبهة التكرار، أو وجود أفكار بهدف ملء الفراغ وحسب»..

ومع ذلك، فإن سالم لا يدعي تقديم مواضيع جادة في كل حلقة حين يقول: «يجب ألا يتوقع المشاهد مناقشة قضية جادة في كل حلقة»، حيث يكتفي المؤلف برصد بعض المواقف التي تساهم في الاستفادة من طاقة نغموش الكوميدية، مشيراً إلى أنه حاول في الوقت ذاته تقديم حلقات تخاطب اهتمامات كل فرد من أفراد الأسرة الإماراتية والعربية المقيمة على أرض الدولة، مع الالتزام بالقالب الكوميدي الذي تميز به «حاير طاير»، والابتعاد عن كل ما قد يجلب مللاً أو تذمراً للمشاهد.

رصيد غني

إن رصيد الكوميديا الخليجية ومكتبتها الفنية غني جداً بعشرات الأعمال، واستطاعت خلال العقود الماضية صناعة نجوم وأعمال ستبقى محفورة في الذاكرة: عبد الحسين عبد الرضا، وخالد النفيسي، وسعاد عبد الله، وسعد الفرج، وجابر نغموش، وعبد العزيز جاسم، وفايز المالكي، وناصر القصبي، وإبراهيم الصلال، وعبد الله السدحان، وسلطان الشاعر.

وعشرات غيرهم، واستطاعت تقديم كوميديا تحترم ذائقة المشاهد الخليجي والعربي، كما تمكنت من ملامسة وتقديم أبرز قضايا الإنسان الخليجي بموضوعية وجرأة، بينما أوصلت الكوميديا الخليجية الحديثة هذا الفن إلى الحضيض، عبر محاولة الضحك على ذقون المشاهدين، من خلال الإسفاف والتهريج.