حين نعود بعقارب الزمن الفني الخليجي، إلى ما يقارب ثلاثة عقود على مستوى الإنتاج المسرحي والتلفزيوني الكوميدي تحديداً، لن ترتسم على شفاهنا إلا الابتسامات والضحكات «الواعية» النابعة من القلب. ومن منا لا يتذكر مواقف «حسين بن عاقول» في «درب الزلق».
ومن لا يتذكر «شحفان القطو» في المسلسل الإماراتي الشهير؛ وعشرات الأعمال الأخرى التي لا تزال عالقة في أذهان أجيال كاملة من محبي الكوميديا الخليجية. ولكننا نتساءل كيف هو حال الكوميديا الخليجية في زماننا الحالي.. وهل استطاعت مجاراة الزمن السابق رغم الإمكانيات المادية الهائلة التي توفرت لها؟ ونتساءل أيضاً: إذا كان ثمة تراجع في مستوى الأعمال الكوميدية الخليجية، فأين يكمن الخلل في كاتب النص أم في الممثل أو الإنتاج.. أم أنه لا يوجد خلل في كوميديا اليوم، بل يكمن في الذائقة المتدنية والتدهور الثقافي، اللذين وصل إليهما الجمهور، ليس في منطقة الخليج فقط، بل في شتى أرجاء العالم العربي.
تختلف الآراء حول قراءة الكوميديا الخليجية «بين زمنين»؛ فبين ناقدٍ لاذع يصف الكوميديا الخليجية هذه الأيام بأوصاف التهريج؛ والإسفاف؛ والضحك على ذقون الجمهور؛ واستجداء الضحكات؛ والتفاهة.. إلخ» وبين مجامل يرفع كوميديا اليوم إلى عنان السماء ويصف ممثليها بأوصاف تقترب من التقديس على «نوتة» سيد الإعلام الكاذب الأول جوزيف غوبلز: «إكذب إكذب حتى يصدقك الناس».. وتدخل في إضفاء تلك الصفات عوامل عدة منها: العلاقات العامة التي تربط بين بعض الأقلام ونجوم الفن، خلو الساحة الإعلامية الخليجية منذ نشأتها، من النقد الفني الحقيقي للأعمال الخليجية، البعيد عن المغالاة في التهجم على هذه الأعمال، إلى التزلف والمدح الذي يقف حجر عثرة لاحقاً بوجه أي نقد بنّاء، بعد أن تتشكل لدى هذا الفنان أو ذاك ما يشبه الهالة القدسية التي يشكلها حوله الرأي العام والجمهور.
توالت في هذه الفترة عشرات من الكتابات الجادة والعاطفية، حول ما وصلت إليه الكوميديا الخليجية؛ وسنحاول قراءة بعضها لمعرفة تلك الرؤى التي تحدد معالم الكوميديا الخليجية في هذا الزمن. يرى الكاتب أحمد ناصر من «القبس» الكويتية أن معظم الأعمال الكوميدية الخليجية. وصلت هذه الأيام إلى الحضيض، بفعل الإسفاف والتهريج الذي ظهرت به أغلب هذه الأعمال، ويضيف بحسرة مع سخرية سوداء عند قراءته لبعض الأعمال: «لا تحرقوا مكتبة الكوميديا الخليجية المليئة بالأعمال الراقية الجميلة الرائعة.. نرجو من فناني الخليج هذه الأيام أن يرحموا الكوميديا الخليجية، من الإسفاف والتهريج، اللذين يقدمونهما على الشاشات.
فالكوميديا الخليجية أرقى بكثير مما نشاهده في غالبية أعمالنا الخليجية وللأسف الشديد، «أين الرقي على الشاشة، هل أصبح عملة نادرة.. أين الفكر التلفزيوني النيّر الذي يكتب ويعد للبرامج التلفزيونية، أين «درب الزلق»، و«الأقدار»، و«بساط الفقر»، و«محكمة الفريج».
وأين مسرحية «بني صامت» و«حامي الديار» وغيرها الكثير.. لماذا لا تتعب الفضائيات على اختيار الأعمال الصحيحة التي ترفع الرأس وتظل راسخة وباقية في ذهن المشاهد، لماذا لا يحترم الجمهور، ويقدر فتقدم له أعمال تليق به وترفع من مستواه الثقافي والإبداعي؟ السطحية لن تكون فنا في أي حال من الأحوال، والاستهتار بالمشاهد لن يصنع نجوماً، والمبدعون يستحقون أن تتعب القنوات عليهم، ولو كانوا يكلفونها مبالغ طائلة».
ثقافة المتلقي
من جانبه، يرى الكاتب والمخرج الإماراتي صالح كرامة العامري أن من بين أسباب تعلّق المشاهد الخليجي بالأعمال الكوميدية القديمة؛ أن الممثلين آنذاك قد اشتغلوا على مواقف حياتية كانت لا تزال متحركة في الشارع الخليجي؛ بمعنى أنهم دخلوا ميدان الكوميديا وتحديداً المسرح، وبعده التلفزيون وهم محملون بتلك المواقف الطازجة التي مزجوها بمواهبهم الفطرية بعيداً عن التصنع.
ويشير كرامة إلى نقطة مهمة في الفشل الذي أصاب كوميديا الموقف هذه الأيام، على اعتبار أن النص الارتجالي المعبر عنه قد وصل إلى حد الترهل. ويختلف كرامة مع الآراء القائلة إن ثقافة الجمهور، باتت سطحية هذه الأيام، وأقل إدراكاً عن السابق، إذ يرى العكس تماماً حين يقول: « الطامة الكبرى تقع حين تصبح ثقافة المتلقي أعلى مما هو مطروح من أعمال، وأعتقد وأرجو أن أكون مخطئاً.
إذا قلت إن المنجز من الأعمال الخليجية الحديثة، لم يستوعب القفزة النوعية التي مرت بها المنطقة من متغيرات هائلة، فاعتمدت على ما هو جاهز وسهل، ولم يلامس المتلقي بمشكلاته الحياتية، وإن تم تناول تلك المشكلات كوميدياً أو درامياً بصورة عامة، يتم تناولها بشكل سطحي». ويختم كرامة حديثه بالقول: «ما أريد قوله؛ إنه لا توجد كوميديا من دون وعي، وأن الممثل الكوميدي ليس بالضرورة أن يكون مرحاً؛ بل عليه أن يرصد ديناميكية الموقف بمراقبته الشارع بعمق ،وعليه أن يصبر كثيراً قبل إنضاج هذا الموقف كعمل كوميدي، وهذا ما لا نراه كثيراً».
«شحفان القطو»
من داخل الجسد الفني الكوميدي، وأحد أبرز الوجوه الكوميدية الإماراتية التي ظلت عالقة بأذهان الناس، الفنان والشاعر سلطان الشاعر أو «شحفان القطو» في المسلسل الشهير الذي شاركه البطولة فيه الراحل محمد الجناحي، يرى الشاعر أن السبب الرئيسي في عشق الناس الدائم للأعمال الكوميدية الخليجية السابقة وظهور الأعمال الحديثة كفقاعة تذهب بعد فترة وجيزة.
هو حرص الكوميديا في العقود الماضية على إبراز الواقع كما هو مع إضافة النكهة الكوميدية. ويقول في أحد حواراته: «إن الأعمال القديمة تتحدث عن الواقع وتبرز البيئة الموجودة والظواهر الاجتماعية التي تميز مجتمعنا، لذلك ترى المسلسلات القديمة قريبة من النفس والعقل والقلب.
لأنها تجعل المشاهد يشعر وكأنه في قلب القضية الاجتماعية التي يقوم المسلسل بمناقشتها أما المسلسلات الحديثة فهي قائمة على التصنع وصناعة الأحداث بعيداً عن الواقع، والمؤسف أن اهتمام القنوات التلفزيونية بمسلسلاتنا القديمة ضعيف جداً، وأنا أؤكد أن الكثير من الجيل الحالي، لا يعرف من القديم سوى مسلسل «شحفان القطو»، رغم أن هناك الكثير من الأعمال التي تضاهي في جودتها مسلسل «شحفان» مثل مسلسلات «الشقيقان شعبان ورمضان»، و«طريق الندم»، و«العقل زين»، و«أمثال شعبية»، و«الغوص و«جحا»، و«قوم عنتر».
مغامرة «فنون»
رغم اعتراف العديد من العاملين في المجال الفني في الخليج؛ بصعوبة إيجاد النص الكوميدي و«الأفيهات» المضحكة في الوقت الحالي، إلا أن نجم الكوميديا الخليجية عبد الحسين عبد الرضا، غامر بإطلاق قناة فنون التي تعتبر أول قناة تختص بالكوميديا في الشرق الأوسط. وجذبت القناة عشاق الكوميديا عبر الأعمال الخليجية القديمة في بداية انطلاقها.
فماذا يقول مالكها ومديرها الفنان عبد الحسين عبد الرضا: « كانت الكوميديا الاختيار الصعب، ولكننا اضطررنا إليه، لأنه التخصص الوحيد الذي كان شاغراً في عالم المحطات الفضائية، وبالفعل بدأنا بأعمال بسيطة بهدف رسم الابتسامة على الشفاه، ثم كبرت القناة وتراكمت لدى القائمين عليها الخبرة، وتفجرت الأفكار حتى أصبحت، في فترة وجيزة لا تتعدى ثلاث سنوات، تحتل مكانها في الفضاء.
أبو ظبي - محمد الأنصاري



