كانت الأرواح تهيم على صفحة مياه الأهوار في العراق، فاستقرت على منابت القصب لتنير العالم بأبجدية روحها المحترقة، ونزلت يد الغيب لتصنع من فخار، أول حروف النور، ويضاء العالم من «أور».. كان هذا في المزمور الأول من سفر الحياة، وكانت الأناشيد تنطلق مع انبعاث البخور المقدس في معابد «لكش»، وكانت عشتار وكان تموز وكان العشق الأول.. ورغم الحروب وأنهار الدماء المتتالية، تبقى حضارة وادي الرافدين وإرثها المنهوب في جميع بقاع الأرض، خير شاهد على عظمة وسحر وإبداع أبناء هذه الأرض.
في هذا المناخ العابق بالحب للأرض، وحكاياتها القديمة، قام الموسيقار العراقي سلطان الخطيب حفيد هذه الحضارة العريقة برحلة حاملاً معه كاميرته، وراح يتتبع من خلال هوايته المحببة آثار وادي الرافدين وفنونه المنهوبة في متاحف العالم في لندن وباريس وبرلين وعواصم الدنيا الأخرى، ليجري بعدها دراسة فنية مقارنة بين الفنون العراقية القديمة والفن التشكيلي المعاصر. ولم يحمل في جعبته في رحلته التي دامت لسنوات سوى «إرث» فني يمتد لسبعة آلاف عام، و«عشق» لأرض يرى أنها مصنع الخليقة الأول، و«فخر» بإنجاز أسلاف مضوا في رحلة الخلود، فهل يحتاج «الخطيب» إلى أكثر من ذلك؟
شريعة حمورابي: بدأ سلطان الخطيب (ابن بابل) رحلته منطلقاً من المدينة التي تدُعى في عصرنا الحديث «مدينة النور ـ باريس»، ليدخل في قاعة الرافدين بمتحفها اللوفري الشهير، وهناك في فرنسا راودت عيناه دمعة؛ فاحتبسها كملوك سومر الذين يموتون واقفين، لأنه يقف أمام أول شريعة متكاملة مكتوبة على وجه الأرض «شريعة حمورابي» المنقوشة على حجر «ديورت» أسود ويظهر فيه الإله «شمش» وهو يجلس على عرشه موجهاً تعاليمه، والشريعة لملك بابل العظيم حمورابي، وتبلغ مجموع هذه القوانين 282 قانوناً، وتم اكتشاف الحجر عام 1909، فما العجيبة الفنية في هذا الحجر الذي يبلغ ارتفاعه 8 أقدام؟
يقول الخطيب: «إن الجانب الفني الذي يحمل الدهشة في مسلة حمورابي، عدا صعوبة النقش والنحت على جسد هذا الحجر العجيب، ودقة الرسم المتناهي في أعلى المسلّة؛ هو الدقة العالية في مقاييس الحروف لقوانين الشريعة التي تلف الحجر الأسطواني من كل جانب، بتناسق لا نظير له، وكأن الحجر قد خلق لهذه الشريعة، بل كأنهما توأمان صنعتهما يد القدرة، وتبدو الحروف متناسقة بشكل غريب من دون اعوجاج أو تصغير أو تكبير من حرف لآخر، وهذا بحد ذاته أعجوبة فنية.
غولا إلهة الطب السومري
وليس بعيداً عن شكل مسلة حمورابي؛ تناظرها في الأهمية من حيث القِدم تمثال الإلهة «غولا» سيدة الطب السومرية الأولى التي تقف فيها محيطاً بها «العقرب» و«الشمس والقمر والنجوم في تشكيل فني يستخدم المدرسة الرمزية التي أبدعتها الحضارة السومرية ؟كما يقول الخطيب- ويضيف: «وجد نص مسماري قديم يتضمن وصفاً لغولا على لسانها حيث تذكر :» أنا الطبيبة، أعرف كيف أشفي، إنني أحمل معي كل الأعشاب، وأنا أملك حقيبة ممتلئة بالتعاويذ الفعالة.
وأحمل معي نصوصاً عن الشفاء- وليس ببعيد عنها ينتصب لوح آشوري يحكي عن الملك العراقي القديم جلجامش ورحلته الأسطورية عن الخلود، وقد كُتب هذا اللوح باللغة السومرية القديمة؛ اعتزازاً من كل الملوك الذين خلفوا حضارة سومر بتلك اللغة، فكانت بالنسبة إليهم لغة مقدسة، ويمكن مقارنتها باللغة اللاتينية التي ظلت أوروبا وكنائسها، تتحدث بها لقرون عدة، وحين تشاهد جلجامش.
وهو يمسك بيده أسداً، تحول كالقط الأليف على يد هذا البطل الأسطوري- فإنك تذهل من الدقة التي تصل إلى حد الكمال في كل تفاصيل الجسد، ولم ينسَ الفنان الأشوري أصغر التفاصيل في هذا التمثال الرائع الذي يدلل صراحة على عبقرية الفن العراقي القديم، وتنفيذه وفق مقاييس هندسية، لم تصل إليها البشرية إلا بعد آلاف السنين».
سميراميس ملكة بابل
أما القيثارة السومرية المؤلفة من 11 وتراً، فهي أول آلة موسيقية ظهرت في مملكة أور قبل 7 آلاف عام، ولأن سلطان الخطيب (عازف بيانو) من الطراز الأول، فقد أوقفته الدهشة أمامها، لتنقله بعد ذلك إلى التاج الأشوري الذهبي الرائع، الذي يعتقد أنه يخص ملكة العراق «سميراميس» والذي تعلوه نجوم.
وتعتبر في الحضارات القديمة «ثمانية الخير» وهو الشعار القديم لبعض حكومات العراق، وهو مصنوع بطريقة فنية نادرة من حيث التشكيل وغرائبي في ترميزاته، فهل كانت فنون وادي الرافدين التي أعقبت حضارة سومر من بابليين وآشوريين وغيرهم؛ امتداداً فنياً طبيعياً وتراكماً للفنون الأولى؛ أم أنها كانت مدارس فنية لا تمت بصلة لبعضها؟
يرى الخطيب أن الأمر يحتمل الوجهتين، ويقول في ذلك: «إن جئنا إلى الفلسفة الفنية لكل حضارة من حضارات العراق؛ نجد أنها تختلف اختلافاً جذرياً، فقد كان السومريون يميلون إلى الرمزية والتجريد أكثر، ولا يبالون كثيراً بتفاصيل الجسد .
وهذا ما نجده واضحاً في تماثيل أور الأولى والأختام السومرية التي تعتبر أعجوبة من الأعاجيب، وكان الرأس الأصلع والرمزية في باقي أنحاء الجسد «تيمة» أساسية في تلك الفنون، ونجدها حتى في لوحتي وجداريتي «السلام والحرب» التي خطتها أنامل السومريين توثيقاً لحياة الناس آنذاك، وكانت تماثيل «كوديا» تنتج بالآلاف.
وهو يدل على تأسيس السومريين لمدارس فنية للمواهب، أما إذا جئنا للعهدين البابلي والآشوري، فنجد أن الفلسفة الفنية التي أنجزت بها الجداريات والتماثيل والفنون، تميل إلى التعبير الدقيق عن تفاصيل الجسد لتظهره بمظاهر القوة والشجاعة بصورة أوضح.
وقد أسس الآشوريين أول وأقدم مدرسة فنية تجمع النقيضين: اللوحة الممتدة المعتمدة على المنظور والشكل الثلاثي الأبعاد، وهذا ما نراه واضحاً في «الثور المجنح» حيث نراه متكاملاً إن نظرنا إليه من الأمام، ونجد أن له خمس أرجل حين نراه من جانب، لنراه بعدها بأربع أرجل حين نشاهده من جانب آخر».
تقديس الفن
ويعزو الخطيب وجود بعض الفوارق بين محطات الفنون العراقية القديمة؛ إلى التكنيك في استخدام المواد الخام؛ حيث الحضارة الطينية السومرية، والحضارة الآشورية الحجرية التي نحتت أنواع الصخور لتقدم للعالم أجمل ما نحتته يد البشر، ورغم ذلك يقول الخطيب، فإنه يمكن الاتفاق مع وجهة النظر التي تعطي لفنون هذه الحضارات بعداً تراكمياً من خلال العامل الديني، وهو المشترك بين سائر سكان العراق من الحضارات الأولى.
وينبه الخطيب إلى قضية غاية في الأهمية بقوله: «لقد احترمت كل حضارة فنون وتراث الحضارة التي سبقتها، ولم تعمد إلى إزالتها أو تدميرها، بل كان الأمر أشبه بتغيير في مسميات الملوك والسلالات ليس إلا، إلا أن الأمر اختلف منذ مئات السنين، حيث أزيلت معابد كاملة، ودمرت قاعات فنون متكاملة لحضارات العراق الأولى على يد الغزاة، كان آخرها ما حدث أثناء الغزو عام 2003».ويختم الخطيب رحلته بالقول: «لقد علمت فنون وادي الرافدين؛ البشرية كيف تحب وكيف تعشق، بل علمتها كيف تحيا».
أبوظبي ـ محمد الأنصاري



