ظلت تركيا منذ فجر التاريخ معبراً لمعظم الحضارات في العالم، ولا تزال أراضيها شاهدة على ذلك. وتركيا ليست مجرد مساحة بسيطة على رقعة جغرافية محددة، بل هي بلد يتميز بأنه قبلة سياحية من الطراز الأول.
والسفر إلى هناك يعني أن المتجول عبر السهول والوديان والمدن، ينبغي أن يتأبط كاميرته لكثافة المواقع الجميلة والخلابة. فجبالها الشاهقة تطل على سواحل لازوردية سواء من الشمال عند البحر الأسود، أو في الجنوب عند البحر الأبيض المتوسط الذي تتميز شواطئه برمالها الذهبية، وتتربع بجوارها غابات كثيفة من الأشجار المثمرة أو الصنوبريات.
وإذا غاص المرء في أعماقها، يكتشف الأسرار الدفينة الرائعة للمتوسط الشرقي، وإذا تجول ببساطة في رحلة صوفية، تبدأ من الجبال الرائعة الخلابة، مروراً بشواطئها المترامية الأطراف، ومياهها الزرقاء الصافية، يكتشف آثارها على مدى السنين والحضارات، ويتذوق نكهة طعامها، ويطلق العنان للاسترخاء في حماماتها الشهيرة، والجلسات الأنيسة مع دراويشها.
ومن بين العناصر المتعددة التي تميز تركيا على الخارطة العالمية هناك عوامل عدة تجعل منها أسطورة ثقافة وجمال. وتعد اسطنبول المدينة الوحيدة في العالم التي تشطرها قارتا أوروبا وآسيا، أما الكنيسة الأولى التي بناها الإنسان، فهي كنيسة القديس بولس الموجودة في أنطاكيا.
والجدير ذكره، أن الأتراك هم أول من عرّف الأوروبيين إلى البن والكرز، وهم الذين قدموا للهولنديين شجرة التوليب. علماً أن السفينة الأولى الغارقة في مياه البحر، اكتشفت واستخرجت من الأعماق في «أولوبورون» قرب «كاس» لجهة المتوسط من تركيا.
في سنة 640 قبل الميلاد وللمرة الأولى في التاريخ، استعمل الملك الليدياوي «كرويزوس» قطع العملة المعدنية المصنوعة من الإلكترون، وهو مزيج من الذهب والفضة في إيجة.أما عن الرحلات الصيفية فهي تأخذك في نزهة تمتد من الجبال الرائعة إلى المياه الصافية التي تداعب الشواطئ الرملية.
والقليلون هم الذين يعرفون أن الخارطة، توحي وتنبئ بأن هذه البلاد هي بلاد جبلية في جهاتها الأربع تحيط بخليج أنطاليا، وهي ذات أشكال جغرافية متعددة، وجبالها وغاباتها لا تزال عذراء بمجملها فهي محميات طبيعية متعددة حيوانية ونباتية.
اثنان من الرؤوس الجبلية المشهورة هما بركانيان لكن هادئين وهما جبل «أرسييس» في وسط أنطاليا (3917 متراً) وجبل أغري أرارات (5137 متراً) في الشرق. هناك أيضاً ريزكشكار( 3932 متراً ) شرق البحر الأسود، ونجد الأداك (3756 متراً) في أواسط طوروس وجبلي سيلو وسات (4136 متراً) شرقي طوروس قرب حقاري.
وفي هذا المضمار، تتيح تركيا مجالاً غنياً ونشاطات جيدة، لمحبي التسلق واكتشاف أسرار الجبال الجغرافية. وتجذب السدود الجبلية والبراكين والأشكال الجغرافية المميزة الباحثين وطلاب الجيولوجيا، فالتربة تتيح المجال لهواة الرياضة في الهواء الطلق، الذين يجدون متعة وخبرة في جبال شرق ووسط وجنوب تركيا.
وتعتبر الجولة في قرية «كابادوكيا» الواقعة في قلب أهم المناطق التركية المثيرة والنادرة واحدة من أهم التجارب المتاحة للزائر. وتمتلئ منطقة «كابادوكيا» بالآثار الرومانية وهي مغطاة بالثلوج في فصلي الشتاء والربيع، وتحتوي على أشكال صخرية فريدة، وقرى حجرية. كل ذلك في منعطفات على جانبي الأنهار، وممرات جبلية ضيقة. وفي نهاية مشوار مثير كهذا يتمتع هواة المغامرة بهدوء مذهل ساحر في فندق، يتكون من كهوف يعود إلى القرن الخامس، وفي الطعام التركي اللذيذ والشهي.
وتمنح زيارة المدن زائريها الكثير من متع الطبيعة الخلابة والنزهات على الشواطئ البحرية، وهنا يتحقق الحلم بالمشي حفاة الأقدام على الرمال أثناء الغروب، بينما تداعب المياه والرمال رؤوس الأصابع. كل ذلك يحدث وسط صفاء الطبيعة والمشاهد الخلابة للشمس الذهبية التي تلامس الأجسام برقة. وهناك الكثير من المواقع السياحية التي لن ينساها السائح بعد الرجوع إلى بلاده، كما أن هناك تناغما غريبا ورائعا بين كل التفاصيل، التي توفرها الطبيعة الخلابة.
وتتميز المناطق البحرية بصفاء مياهها وألوانها التركوازية الساحرة، وتحكي أسطورة أن سفن الشحن التي تنقل البضائع من سوريا ومصر إلى اليونان، كانت في القرون الوسطى تتزود من مياه الخلجان التركية. وقد أرسل أحد الربابنة الأقدمين ابنه للبحث عن المياه، حيث وقع على سيدة تدعى «بلسيكيز» فهام في حبها.
وكما يحدث في مثل هذه المواقف يتعمق الحب في قلب الشاب والفتاة. فالشاب هام بحبها وهي انغمست أيضاً بحبه وسحره. ومنذ ذلك الحين كانت تنتظر على حافة الجبل عودة حبيبها. وفي أحد الأيام العاصفة بينما كانت سفينته في عرض البحر أبلغ الفتى (الذي يعرف جيداً مكان بلسيكيز)، أباه أن هناك خليجاً بين الصخور بعيداً عن الرياح.
فلم يصغ الوالد إليه ظاناً أنه يبرر عذراً لملاقاة حبيبته، ويضربه بالمجذاف فيقع في المياه ويغرق. عندما علمت «بلسيكيز» التي كانت تنتظر عند أعلى الهضبة، أن حبيبها فارق الحياة، انحدرت من الصخور. ومنذ ذلك الحين سمي الخليج، الذي كان شاهداً على انتهاء حياتها «بلسيكيز»، والآخر حيث لقي الحبيب مصرعه «أولودينيز» أو البحر الميت.
وقال الشاعر أحمد أورهان مرة: «أبحث عن المتوسط في الأفق حيث تلامس السماء البحر، حيث تتبخر المياه من الأرض بعيد هطول المطر. عند بدء الكلمة الأولى بين الحبيبين في نعاس الفجر. في نشوة الاستلقاء على دفء الرمال. ابحث في بسمة المغترب العائد إلى موطنه. في غناء طائر غريد عند منتصف الليل.. ابحث عن تركيا التي ترحب بك.
إعداد: محمد نبيل سبرطلي



