لم تثن الضابط الانجليزي جايير أندرسون خدمته العسكرية الإنجليزية، عن هوايته للآثار الإسلامية حيث كان عاشقًا لها ، فخلال مروره بالقرب من قلعة محمد علي في القاهرة، حيث كان يخدم في الجيش المصري العام 1904، وتحديدًا بجوار مسجد أحمد بن طولون، استهواه منزل يطلق عليه «الكريتلية»، فتقدم بطلب إلى لجنة حفظ الآثار العربية بتسليمه هذا المنزل، والمنزل المقابل له الخاص بـ «آمنة بنت سالم» ليعرض فيهما مجموعته الأثرية، فوافقت اللجنة مقابل تركه مجموعاته الأثرية هبة لمصر.. ووافق الرجل..
لكن ما قصة بناء بيت «الكريتلية» الذي استهوى الضابط الإنجليزي عاشق الآثار الإسلامية؟ ويجيب على هذا السؤال أحمد سعد - مدير عام متحف «بيت الكريتلية» أثناء مرافقته في المتحف، وقبل أن نتجول في داخله قال لنا في إشارة سريعة: «إن بيت الكريتليه هو عبارة عن بيتين يتصلان من أعلى بقنطرة «ساباط»، ويعرف حاليًا بالاسم ذاته، أو متحف «جايير أندرسون» وترجع أهميته من حيث كونه نموذجًا حيًا، لما كانت عليه البيوت في العصر العثماني منذ القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي). وعلى طريقة المرشد السياحي، سار معنا مدير عام المتحف إلى دهليز موصل على الباب الشرقي من مسجد أحمد بن طولون وأشار بيده قائلاً: «هنا على يمين المدخل يوجد بيت باسم «بيت الكريتلية» منسوب إلى آخر من سكنته، وهي امرأة يعود أصلها إلى عائلة من جزيرة كريت اليونانية، أما البيت الثاني فقد أنشأه المعلم عبد القادر الحداد العام 947 هجرية (العام 1540 ميلادية)، وقد أطلق عليه اسم منزل «آمنة بنت سالم» وذلك نسبة إلى من امتلكته.
هذان المنزلان بهما كثير من خصائص المنزل الإسلامي في مصر خلال القرنين العاشر والحادي عشر الهجري من حيث الاهتمام بزخرفتهما وتنميتهما من الداخل إلى جانب مشربيات خشبية جميلة من خشب الخرط، كما روعي في بنائهما مراعاة النواحي الصحية من تهوية وإضاءة، ودخول أشعة الشمس،واحتواء كل دار على حديقة تكون منفسًا لأهلها. وفي طريقنا من خلال الطرقات المؤدية إلى «البيت» يشير مدير المتحف إلى مجموعات تحف فنية وقطع أثاث تنتمي إلى عصور إسلامية مختلفة ـ استجلبت من دول متفرقة ـ مصنوعة في مصر والشام وأسيا الصغرى وإيران والقوقاز، وبعضًا منها من تحت الشرق الأقصى ولاسيما الصين، علاوة على بعض التحف الأوروبية، خاصة قطع الأثاث الإنجليزية القديمة، وقد فرضت هذه القطع الإنجليزية على «جابر أندرسون» أن يخصص قاعة أسماها باسم الملكة الإنجليزية «آن ستيورات». وقبل أن نقترب من الباب الرئيسيسللبيت» أشار مدير عام المتحف إلى أصول بيت الكريتليه.
حيث يعود إلى العصر العثماني لذلك بني على أصول العمارة العثمانية من حيث ارتفاعات كبيرة في الأدوار وإرساء مكرنسات حجرية على الداخل ومشربيات داخلية وخارجية وحرص مصمموه على إنشاء مداخل منكسرة وهي مأخوذة من نظام القلاع الحربية بحيث من يمر بالخارج لا يرى من بداخل البيت، ويفسر مدير المتحف أسباب إنشاء هذه النوعية من المداخل أنها بمثابة «عملية تأمينية» أثناء الحروب هذا بجانب وجود فناء مكشوف لكل منزل للتهوية والإضاءة. وفي أحد أركان «البيت» تشاهد نموذجا فريدا من «سلسبيل» يوجد فيه أحواض على نافذتين لملئهما بالمياه للاستفادة منها في سقي أهل الحي. وفي نظرة إلى أعلى «البيت» تسجل عين الزائر، ما تميز به سقفه الخشبي المزخرف بزخارف عثمانية جميلة كتب عليها آيات قرآنية بالخط النسخي، بالإضافة إلى النص التأسيسي لإنشاء البيت وفي قراءة لما احتواه هذا النص يقول «انشأ هذا السبيل المبارك من فضل الله العبد الفقير إلى الله تعالى الحاج محمد بن الحاج سالم بن الحاج جلمان الجزار، وقد فرغ من بنائه العام 1041 هجرية العام 1631ميلادية».
مقعد صيفي وآخر شتوي
يقترب بنا مدير عام متحف «بيت الكريتلية» إلى قاعات خاصة بسالمقعد الصيفي» وآخر شتوي، ويطل المقعد الصيفي على حوش المنزل، ومخصصًا لجلوس الرجال خلال فترة الصيف، ويعرض بعض القطع المعدنية والزجاجية والخشبية والسجاجيد، ثم ننتقل إلى قاعة «المقعد الشتوي» والذي يخصص للجلوس في فترة فصل الشتاء وبه مجموعة من السجاجيد والأكلمة، ويتوسطها منضدة من الألبستر الشفاف، نقش على حوائطها آيات قرآنية، ودواليب خشبية حائطية بها مجموعة من الأواني النحاسية والخزفية، وعلى جانب آخر توجد غرفة مخصصة لصور مخطوطات إسلامية وكراسي خشبية.
قاعة الحريم
غادرنا قاعات المقعد الصيفي ونظيره الشتوي إلى «قاعة الحريم»، والغريب أن هذه التسمية لم يستطع أحد من خبراء المتحف، أن يفك لنا طلاسمها وأسباب تسميتها بهذا الاسم. وهذه القاعة تطل على حوش البيت وشارع طولون بشبابيك خرط ومشربيات خشبية، وسقفها الخشبي مزين بزخارف على أشكال نباتية وحيوانية وطيور ونصوص كتابية لآيات قرآنية، بالإضافة إلى مجموعة من دواليب الحائط الخشبية مزخرفة أيضًا بالزخارف السابقة ذاتها، ومجموعة من الشكمانات الخشبية مطعمة بالعاج والعظم لحفظ المجوهرات، والمستندات المهمة ومجموعة من القطع البيزنطية وبعض طاسات الخضة الحديثة من النحاس، منقوش عليها بعض الكتابات الدعائية لشفاء المرض.
غرف تركية
يصطحبنا مدير عام البيت إلى غرفة تركية صممت على الطراز الأوروبي في أثاثها وتحوي مجموعة من الخزف التركي والصيني أيضًا وبداخلها غرفة مكتبية تحتوي على خزانات خشبية تحوي مجموعة من أنواع الكتب خاصة بالرحالة الأوروبية وكتب خاصة بالآثار الشرقية، اقتناها أندرسون وصورة له في ملابس على شكل أبو الهول، بالإضافة إلى بعض الأيقونات.
ويحتوى البيت على غرفة ثانية وهى صغيرة الحجم على الطراز الصيني،وتضم الكراسي والأرائك الخشبية باللون الأسود ويزين حائطها بصور برسوم صينية الشكل وسقفها محلى بزخارف هندسية، أما الغرفة الثالثة فهي «دمشقية» نسبة إلى العاصمة السورية، وقد حوت جدرانها وسقفها كسوة من الخشب المنقولة من أحد القصور القديمة في دمشق وترجع صناعتها إلى العام 1103 هجرية العام 1691 ميلادية مزينة بزخارف ومذهبة ومتعددة الألوان وبها أبيات من الشعر في مدح الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ويتوسط الغرفة سرير من الخشب المطعم بالكوش على شكل وريدات ومزين بالمرايا، ومجموعة من الأواني الزجاجية البيضاء.
وتنتقل خطواتنا إلى غرفة رابعة فرعونية الأصل، لكنها أنشئت حديثًاً، وقد خصصت لعرض مجموعة من القطع الفرعونية داخل فاترينات، أما الغرفة الخامسة وهي خاصة بـ «الحريم» الخارجي فهي تختلف عن قاعة الحريم السابقة، ومنها نصل إلى ممر طويل إلى قاعة الحريم الداخلي وفيها أوان خزفية وزجاجية وكراسي، حيث كان يجلس النساء على طول الممر لرؤية ما يدور في قاعة الاحتفالات من خلال النوافذ، من دون أن يراهن أحد من الرجال.
زخارف هندسية
انتقل بنا مدير عام البيت إلى قاعة احتفالات خاصة بالتراث العثماني،تطل على الجدار الشرقي لمسجد أحمد بن طولون تتوسطها «فقيه» ذات أرضية فوسفائية تحمل أشكالا وألوانا مختلفة من الرخام وجدرانها عالية، تحتوي على مشربيات وسقف خشبي بزخارف نباتية وهندسية وشرائط من الكتابات القرآنية على كل جانب من القاعة ولوحة فيها أبيات من الشعر، وحكم مأثورة ومجموعة كراس جميلة ودواليب خشبية بزخارف هندسية، وكتابات نسخية ومقرنصات خشبية من القرن التاسع عشر الميلادي.
عطر النساء
وقبل أن ننتهي من الزيارة ل«بيت الكريتليه» توقفنا داخل «حوش البيت» الذي يوجد به حجرتان لعطر النساء والأخرى خاصة بالولادة ويحتوي الحوش على فاترينة بها مجموعة من متعلقات النساء اليومية مثل أواني زجاجية مختلفة لحفظ عطورهن وبعض الأمشاط الخاصة بشعورهن وبعض الملاعق ومستلزمات أخرى للمنزل ثم ننتقل إلى حجرة الولادة والتي توجد بها مجموعة مختلفة من عرائس الأطفال ومجموعة نادرة من كراسي الولادة الخشبية التي كانت تستخدم لساك ني البيت وفاترينة من العاج والخشب بها عرائس للأطفال ومجموعة من «التمائم» خاصة بأدعية للأطفال.
القاهرة ـ شريف أبوالوفا



