السودانيون في مصر مجتمع خاص لا تنطبق عليهم تسمية «جالية» فلا يشعرون بأنهم أجانب أو حتى مغتربين، والأهم من ذلك أن المصريين لديهم ناحية السودانيين نفس المشاعر، تجدهم في كل مكان حتى بين المصريين في طوابير العيش، يختلف السودانيون في مصر عن أي مغتربين في العالم العربي، فرغم ابتعاد مشاعر الغربة عنهم وانصهارهم في المجتمع المصري، في ربوع القاهرة والمدن الكبرى وفي مقدمتها الإسكندرية فإنهم مجتمع خاص يحافظ على عاداته وتقاليده ويناجي أحضان الوطن.

تتضارب الإحصائيات حول أعداد السودانيين في مصر ما بين 4 و 5 ملايين، وليس المهم كم عددهم.. هم يقولون ذلك، فإنهم يدخلون مصر ويخرجون منها كل يوم دون أي عوائق، والقاهرة أو كل محافظات مصر تمثل بالنسبة لهم وطنا ولا مغالطة في ذلك.. حتى في فترات القطيعة السياسية لا أحد من الطرفين ـ سودانيين أو مصريين ـ يتغير، فتجدهم كما هم بلا حواجز غير عابئين بلعبة السياسة. والسودانيون في مصر بالرغم من انصهارهم الكبير في المجتمع المصري فإنهم ظلوا منذ مئات السنين وهم يعيشون في مصر يحتفظون بثقافاتهم الخاصة ويحملونها أينما رحلوا خارج أرض الوطن حيث عرفوا بالتميز في علاقاتهم الاجتماعية، وممارساتهم لطقوسهم المعروفة في الأفراح والأتراح والأعياد الدينية والوطنية بل حتى جلسات الونسه لها طقوسها.

ويكاد يكون للسودانيين في مصر مجتمع خاص بهم ففي القاهرة تحديدا لهم مقاهٍ خاصة يرتادونها يديرها مصريون، ولكن تجد أن نسبة السودانيين فيها تمثل أكثر من 80%، وبعضها يرتادونها وحدهم، مثل مقهى «جي جي» بشارع 26يوليو، وهى للسودانيين فقط وصاحبها مصري عاش في السودان لفترة قصيرة. وعندما عاد إلى مصر افتتح المقهى، وبدأت علاقة السودانيين بالمكان عندما زاره أحد أصدقائه ودعا بعض السودانيين في نفس المقهى، وتحول الأمر منذ بداية التسعينات إلى تجمع سوداني هائل فاق أعداد المصريين الذين يترددون على المقهى حتى أصبح في منتصف التسعينيات مقهى خاصًا بالسودانيين، والغريب في الأمر أن أي سوداني قادم إلى مصر ويبحث عن قريب أو صديق يتم توجيهه إلى مقهى «جي جي»، وبمجرد دخوله المقهى يقابل بالأحضان، ويخرج بعنوان قريبه أو وصديق يصحبه إليه.

وإلى جانب المقاهي العديدة ظهرت مع بداية الألفية الثالثة عشرات المطاعم السودانية التي تركزت في وسط القاهرة ومناطق المهندسين وأرض اللواء والمعادي، وهي المناطق التي تضم كثافة سودانية وهي مطاعم معنية فقط بالأكلات الشعبية السودانية مثل «الويكة، القراصه، التقلية، النعيمية، الكمونية، الكسرة، العصيدة (الكبدة بالطريقة السودانية)» وغيرها من الأكلات المعروفة في السودان، كما تم افتتاح أكثر من اثني عشر مقهى سوداني اختص بإدارته سودانيون.. وعندما تذهب إلى هذه المقاهي السودانية تجد لها طقوسها الخاصة والعجيبة والمحببة للسودانيين، كما تجدها مكتظة بالسودانيين طوال الوقت.

وفي المناسبات الدينية المباركة مثل عيد الفطر وعيد الأضحى يتمسك السودانيون في مصر بكامل طقوسهم دون أي تنازلات مهما كانت الظروف، حيث يبدأون التخطيط للاحتفال بشهر رمضان من قبل قدومه بأكثر من شهرين بتوفير احتياجاتهم خاصة «الحلو مر» و«الإبري الأبيض» وكذلك الويكة وغيرها من المواد التموينية اللازمة لصنع أكلاتهم المحببة.

وقبل انقضاء شهر رمضان يكون السودانيون قد تلقوا من أسرهم في الخرطوم كل احتياجات العيد على رأسها الحناء السودانية التي يتم توفيرها كأهم الاحتياجات وهي عادة أصيلة للمرأة السودانية المتزوجة، حيث تستقبل ضيوفها في كامل زينتها خاصة أول أيام العيد ولا يختلف العيد بالنسبة للسودانيين في الخارج كثيرًا عما يتم في السودان من حيث الطقوس والعادات الموروثة أصلاً لديهم، ومن ثم بقية الاحتياجات الأخرى من مواد الأكلات السودانية التي تكتظ بها الموانئ المصرية كل عام.

أما في عيد الأضحى وبالرغم من أن أغلب الأسر السودانية في مصر تعيش في مستوى اقتصادي أقل من المتوسط فإن خروف العيد يعتبر أمرا ضروريا، ولابد منه مهما كانت الحالة الاقتصادية للأسرة، وتجد الأسر السودانية التي تقوم بتوفير الأضحية تجري اتصالاتها بالشبان السودانيين غير المتزوجين والطلاب الذين يدرسون في مصر قبل أيام عيد الأضحى للتأكيد عليهم بالإفطار معهم، أو تناول الغذاء حسب ظروفهم .

وأهم ما يلفت النظر إلى ثقافة السودانيين المتفردة هي ثقافة التزاور والتصافح والتكاتف في مثل هذه المناسبات، وبالرغم من أن أغلب المواد التي تصنع الأكلات والمشروبات السودانية متوفرة في مصر فإن السودانيين يفضلون استجلابها من السودان، رغم أن المطاعم السودانية بدأت منذ فترة جلب هذه المواد وبيعها للسودانيين الذين لم يتمكنوا من توفيرها من السودان.

والسودانيون في المقاهي العامة في القاهرة تجدهم يجلسون في دوائر حول الترابيزات الخاصة بالمقاهي ويتحدثون دائمًا عن السياسة، ومن خلال هذه الجلسات تتجدد لديهم الأخبار عن السودان وكل ما يتم تناوله في أجهزة الإعلام الذي يقابل بالتحليل والمغالطات والضحك أحيانًا..

والأغرب عندما يأتي أحدهم لدفع حساب مشروباته يجد أن حسابه مدفوعا دون أن يدري من الذي دفع الحساب ولا يتوقف كثيرًا للسؤال عن من هو الذي سدد الحساب لأنه أمر طبيعي في أماكن تجمعات السودانيين. وفي الأيام العادية عندما يلتقي السودانيون نجدهم يستقبلون بعضهم بالأحضان، وفي الأفراح لا يختلف الأمر، حيث يتمسك السودانيون المقيمون في مصر بعادات الزواج كما هي.

القاهرة: دار الإعلام العربية