في عمله المسرحي الجديد «دونكيشوت» يستعير المخرج السوري الشاب أسامة حلال حكاية الروائي الأسباني ثربانتس الأصلية، لكنه يعيد إنتاجها بقالب عصري مانحاً دور البطولة لـ «سانشو» ضمن قراءة جديدة قد تطرح جملة من الأسئلة أمام ثربانتس، فيما لو عاد ليكتب سيرة بطله في القرن الحادي والعشرين.
العرض الذي أنتجته فرقة «كون» يقدم رؤية مغايرة لشخصية «سانشو»، التي تعيش في الحكاية الأصلية على الهامش، ولا تعدو كونها ظلا لسيدها «دونكيشوت»، حيث يتمرد «سانشو» على «دون كيشوت» ليصنع من نفسه «دون كيشوت» آخر، لكنه يفعل ذلك فحسب، ليخبر سيده بحقيقته التي يحاول إنكارها دوماً. ويقول مخرج العمل: «في داخل كل منا هناك «دون كيشوت « و«سانشو»، ولدينا دائماً أحلام كبيرة ومقولات كبيرة تتكسر على صخرة الواقع، ودائماً نحاول أن نحارب طواحين الهواء، ولكن من الجيد أن يكون لديك وجهة نظر بكل ما تريد القيام به».
ويلجأ حلال إلى الاستعانة ببعض الشخوص، التي تبدو هامشية لكنها تلعب دوراً كبيراً في تحريك الأحداث، فمرة تمهّد الطريق أمام «دون كيشوت»، ومرة تؤدي دور الجوقة، وأخرى تلعب دور «دون كيشوت» و«سانشو». وحول مزجه بين العامية والفصحى في العرض، يقول حلال: «الحقيقة أنا أبحث عن الذي يشبهني ابتداء من لغة النص إلى كل المفردات الفنية التي أعمل عليها، وترتبط بتراثنا وتقاليدنا، ومهمة المسرح أن نخرج أفكارنا ونقدمها بطريقة جديدة، هي طريقة بحث جديدة، كما أنها لغة تشبه المشاهد، أنا ألعب على ذاكرة المتلقي عبر المفردات التي أقدمها».
ويقول حلال: «إن منهج فرقته يعتمد على التجريب أو «اللعب المسرحي»، مشيراً إلى أنه «قدم في عرضه الجديد ديكوراً مختلفاً (تقنية وضع الصفائح وإزالتها)، إضافة إلى توظيف الموسيقى كجزء من العرض». من جانبه، يؤكد الكاتب كفاح الخوص أن «دون كيشوت» هو شخصية إنسانية تصلح لكل زمان ومكان، مشيرا إلى أنه جعل من «سانشو» البطل لأنه واقعي أكثر من «دون كيشوت» الذي يبدو مثالياً.
ويضيف: «أردت أن أقدم «دون كيشوت» يتحدث عن مشكلات شباب 2008، نحن كجيل نحبّ التغيير، «دون كيشوت» لا يملك آلية التغيير يملك صورة مثالية لهذا التغيير الذي حدث، يملك النتيجة لكن لا يعرف كيفية تحقيقها، ليس لديه المقومات الدفاعية ليحقق شيئا».
ويرى الخوص أن أهمية «سانشو» تأتي من كونه السبب في قيام رحلة «دون كيشوت»الذي كان بحاجة لشخص يصدقه ويؤمن به، ف«دون كيشوت» بالأساس هو شخص مريض نفسياً، و«سانشو» بالأصل شخص باحث عن وجوده وكينونته، يسكن في القرية يسخر منه الناس وتضربه زوجته، هو ليس له وجود، يعيش بين الناس لكنه ليس موجودا».
ويضيف قائلاً: «سانشو رأى وجوده عند «دون كيشوت»الذي وعده بتعيينه ملكا لولاية أو مقاطعة، ولو كان «دون كيشوت» فقيرا لما صدقه «سانشو» ولكنه كانا سيدا لمنطقة معينة، فوجوده مع «سانشو» يفترض أن يعطيه قيمة، ولكن حدث العكس، بمعنى «سانشو» الجندي المجهول، هو الذي أعطى قيمة لـ «دون كيشوت» لأنه الوحيد الذي صدقه ومضى معه حتى النهاية».
من جهته يؤكد الممثل جمال شقير أن شخصية «سانشو» التي يؤديها هي «قدرية جدا ومحكومة بعاداتها وتقاليدها، هو حلمه أن يكون أسرة صغيرة، فيذهب مع «دون كيشوت» لتحقيق أحلامه ويعيش هذا الحلم».
ويضيف: «أحببت شخصية «سانشو» وأغرتني لأنها قريبة منا جميعا، «سانشو» هو مرآة لهؤلاء الناس الراكضين خلف أحلامهم آملين أن يصلوا إليها، لكنهم محكومون بأشخاص وليسوا محكومين بعملهم وقدر الحياة». لكن شقير يشير إلى تمرد «سانشو» على سيده حين يقول له: «أنا لم أصبح دون كيشوت مثلك، ولكني ارتديت لباسك وأستطيع قتلك وأصبحت في مستواه».
ويضيف قائلاً: «لكنه حين يقتله، يقول له: أنا سانشو الضعيف قتلتك، لكنني لا أحب الدم، هو يريد أن يذهب إلى زوجته وأولاده».. وينتهي العرض بالعبارة نفسها التي بدأ بها: «من رضي عاش» وهي تلخص العرض بأكمله».
دمشق ـ حسن سلمان

