قلل جمهور مهرجان دمشق المسرحي الرابع عشر، من أهمية الرهان على عدم وجود دعم شعبي للمهرجان بسبب الأعياد، ولكن ما حدث أشار إلى أن الرهان الحقيقي على استمرار المهرجان في دوراته، بل وعودته إلى الحياة بعد انقطاع لمدة تقارب العشرين عاماً هو الجمهور، وربما أسفر تدافع هذا الجمهور على بوابات بعض المسارح إلى تكسيرها وتحطيمها أو إزاحتها عن مكانها كما حدث مع العرض المسرحي زتكتيكس للفنان عبد المنعم عمايري.

وتعتبر هذه الدورة من المهرجان دورة المسرح الإماراتي بسبب تكريم دمشق ومهرجانها لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، لعلاقته المتميزة مع المسرح ودعمه المشاريع المسرحية الكبيرة في العالم العربي، بالإضافة إلى علاقته مع المسرح ككاتب ومبدع بتقديمه ستة نصوص مسرحية على خشبات العواصم العربية في تظاهرات فنية عدة. وشاركت دولة الإمارات بأكبر وفد عربي هذا العام، وكان في مقدمته الشيخ عصام بن صقر القاسمي رئيس مكتب صاحب السمو حاكم الشارقة، وعرضت على المسرح الكبير في دار الأوبرا، وهو من أضخم المسارح في دمشق، مسرحية «النمرود» عن نص للشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، وإخراج المنصف السويسي وتمثيل عدد من فناني مسرح الشارقة الوطني الجهة التي نفذت هذا المشروع المسرحي الهام.

ويقدم بمعدل يومي حوالي سنة عروض مسرحية على مسارح العاصمة السورية، وفي أوقات متزامنة أحياناً مما يحرم الكثيرين من فرصة متابعة كم اكبر من العروض، وكما يقول الدكتور عجاج سليم ل«الحواس الخمس»: «هذه حال المهرجانات المسرحية، ويبدو من غير الممكن تحقيق وقت كاف لمتابعة كل تفاصيل العروض المسرحية لكل المتابعين». ولفت العرض المسرحي «تكتيك» نظر المشاهدين والمتابعين، لجهة المادة الفنية التي قدمته كرؤية فنية صرفة من خلال التعرض لبعض النماذج الاجتماعية، واللعب على عامل السخرية سواء من خلال الألفاظ أو السلوك العام للشخصيات، ويعتبر هذا العمل التجربة الثالثة للمخرج عبد المنعم عمايري بعد ان لفت الانظار له كمخرج مسرحي متمكن من تشكيل عوالم جديدة، وتقديم صورة لافتة على المسرح بمساعدة فنانين مسرحيين كبار مثل قاسم ملحو وفايز قزق.

ويبدو ان غياب القصة الواقعية بتفاصيلها الجذابة لم تتح بلورة افكار العرض المسرحي، على نحو ربما قلل من جدوى عرض اللوحات المتلاحقة،التي قطعت تقطيعاً تلفزيونياً، ورويت ضمن سياق حكائي متعدد، بل مشتت الاتجاهات.. وهكذا مضى الجمهور يتابع تفاصيل ومشاهد منفذة باقتدار، ولكن أخفق في الربط بين مختلف تلك المشاهد المتعلقة بسيرورة الحكاية الأساسية، وقدم العمايري في هذا العرض وجوهاً نسائية شابة على درجة عالية من الموهبة، واستقدم راقصات من فرق خاصة احترافية في المسرح الراقص، وتمكن من تقديم عرض بإيقاع سريع، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هناك ميلاً، للتأثر بالمدرسة التونسية في الإخراج.

ومن جهة ثانية، استحق الأردن تصفيق الحضور في مسرح الحمراء، لتقديمه عرضاً مسرحياً بعنوان: «مأساة المهلهل» حقق خلاله الأردنيون نصراً طيباً، وهم الحائزون على جوائز عدة في مهرجان المسرح الأردني. كما قدمت سوريا عرضاً بعنوان «ليلى والذئب» من إخراج الفنان باسم عيسى، وفيه يتحدث عن مجمل العلاقات الاجتماعية البالية والأمثال والحكم الشعبية التي تقولها الأمهات والجدات وتطالب بالحذر والحرص من كل شيء في الحياة. ويبدو ان تلك العادات مثلت ما أسماه المؤلف الفارس الذهبي في هذا العمل بالذئب الذي يترصد بالناس، ويحاول إخافتهم في الوقت الذي تحاول فيه ليلى أن تخرج من هذا القمقم إلى عوالم مفتوحة أكثر.

وساء العرض استخدام المشاهد السينمائية، التي لم تسعف العرض، وتخلصه من بعض مفاصل الملل والتكرار والرتابة، ولكن يحسب له وجود ممثلين بارعين هما سيف أبو اسعد وراما عيسى، بالإضافة طبعاً إلى خيال مخرج ربما برز أكثر لو هو استعان بالمسرح فقط، بعيداً عن ضجيج مشاهد السينما.

دمشق ـ جمال آدم