ليس هناك سوى العصافير، تجتهد دوماً لتحقيق حلمها والطيران، فيسبقها قدرها المحتوم إلى أغرب مصير.. ليس لسبب سوى أنها حقاً عصافير.
دواع كثيرة يجدها من يريد التضامن مع جيل مهدد من أصغره إلى أكبره بالدمار والهلاك والقتل والموت والفشل، وغيرها من مصطلحات الجانب الآخر من الحياة، وما أكثر تلك الصور التي ترصدها عدسات مصورين ربما تحولوا أنفسهم إلى آلات ترسم الكادر أو المشهد، لا لشيء سوى روتين الموقف، وتكرار أشكال البطش والقتل والتدمير والإثارة غير المنطقية، تجاه جيل صغير لم يعد يستجدي من الحياة سوى نوم ليلة ساكنة. «إنهم يقتلون العصافير»، مسمى جديد وموضوعي وعاطفي، وجد للتضامن مع أطفال فلسطين الذين يرزحون تحت ويلات لها أول وليس من نهاية في الأفق تظهر، والعمل الفني الجديد ما هو إلا مسرحية هادفة بطلها الفنان الكبير محمود سعيد معد ومقدم المسرحية، أما منتجها ومخرجها فهو المبدع اللبناني بلال زيبارة، وبذلك وجد »دويتو« العمل الفني مخرجاً لإيجاد رسالة إنسانية هادفة، وصفوها بهدية من أطفال الإمارات إلى صغار فلسطين في مناسبة اختيار القدس عاصمة الثقافة العربية للعام 2009.
التقينا بلال زيبارة مخرج ومنتج العمل الفني المتوقع أن يخرج إلى النور أواخر شهر يناير المقبل في دبي، حيث سلط الضوء على فكرة المسرحية، ودواعي إيجادها في هذه الفترة، والرسالة التي تحملها في ثنايا المشاهد المرسومة، لاسيما وأن للصغار كلمات أبطال تمثيلية في فقرات المسرحية، بمشاركة بطلها الرئيسي الفنان محمود سعيد.
وأكد زيبارة أن العمل المسرحي يقوم على فكرة التمثيل بواقع »المونو دراما« أي الشخص الواحد، مع إدخال مجموعة أطفال أصحاء ومن ذوي الاحتياجات الخاصة، وذلك بحكم عمل المخرج زيبارة كاستشاري متطوع في تشخيص الحالات في مركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة، وقربه من هذه الفئة.
المسرحية أوجدها الفنان محمود سعيد برؤية تمثيلية قائمة على التخيل، وكأنه يدخل إلى فلسطين التي حرم منها منذ منتصف القرن الماضي، وبعد اشتياق كبير للمكان والسكان، يجد أول ما تطأ قدماه تلك الأرض مجموعة أطفال، فيدخل معهم في حوارات خارجة من روح فلسطينية، تجسد الحال وترسم الواقع.
وفي أحد المشاهد التمثيلية، يجتمع الصغار فيأخذون القرار للذهاب لعزاء والد صديقهم بعد استشهاد ابنه الصغير، فيتردد أحدهم ماذا يقول للأب في ذلك الموقف، تعابير عزاء أم فرح، لكون أن الشهادة أشبه بعرس فلسطيني لا يتوقف في ظل استمرار تمرد آلة الحرب الإسرائيلية، وفي النهاية يخرج أحد الصغار، ويخبر زميله بأن يقول لوالد الشهيد: »ماذا تريد أن أخبره إن لحقت به غداً«، في مشهد إنساني معبر ويلخص أن أطفال فلسطين مجبرين على الشهادة، ولا يعرف أحدهم متى تأتيه ساعة الحق.
وتروي قصة أخرى من المسرحية أن طفلاً عمره 7 سنوات، استشهد والده، فتحمل مسؤولية البيت مبكراً. وعلى خشبة المسرح، يجسد الفنان محمود سعيد كيف يلتفت هذا الصغير إلى شقيقه الذي لم يتجاوز عمره الثلاثة أعوام، لكي يدربه ويعلمه كيفية تحمل المسؤولية، في إشارة إلى أن الفلسطيني لا بد أن يترك له خلفاً، لكون أن الشهادة قدر محتوم ومعلق فوق كل بيت فلسطيني.
وأوضح زيبارة أن المقصود في قتل العصافير الفلسطينية، ليس وحده القتل المباشر بالسلاح، وإنما ما قد يتعرض له الأطفال هناك كل يوم، من قتل بالرصاص أو بسبب القنابل العنقودية، أو بسبب المرض والجوع والفقر، المتأتي بفعل الحصار، أو حتى الحرمان من دخول المدارس.
وأشار إلى أن القتل مصطلح عام أريد منه ترسيخ رسالة إنسانية محورها أطفال أبرياء، مع إظهار أن الطفل الفلسطيني صاحب تجربة واقعية، ويستند إلى ثقافة تاريخية واسعة.
وتستذكر المسرحية عشرات القرى والمدن الفلسطينية المهجرة والمهدمة بفعل عصابات الاحتلال التي أحالتها إلى أطلال تبكي الزمان المر منذ العام 1948، وتنقل بوضوح علاقة الطفل الفلسطيني بقضيته ووطنه، وتسلط الضوء على معاناة شعب لا يُستثنى منها أحد، وهي في الواقع التمثيلي الإجمالي تصلح لكل الأطفال في جميع الدول، لكونها مسرحية مجردة وهادفة تنطلق من روح المعاناة، وتعالج ثغرة ظالمة وقاسية في عالم الطفولة أينما وجد.
دبي ـ عنان كتانة

