ثمانون عاماً مرّت سريعاً. بقي الفأر المجنون طفلاً، لكنه تحوّل كثيراً وتبدّل، وبدّل معه السينما والتلفزة والفنون البصرية.

في البداية، لم يستطع فيلمان سينمائيان صامتان هما «الخطة المجنونة» و«غالوبان غوشو» استيلاد شخصية «ميكي ماوس» في المخيلات عام 1928، اقتضى الأمر تدخّل التكنولوجيا لكي تُنجز تلك الولادة الأسطورية. في تلك السنة عينها، استخدم مُبتكر أفلام الكارتون والت ديزني (احتفل العالم بمئوية ولادته في ديسمبر 2001) تقنية الصوت في إخراج فيلم «المَركب البُخاري ويلي»، الذي أطلق «ميكي ماوس» إلى الأعين ليصبح الشخصية الخيالية غير البشرية الأولى في الفن السابع. ومن نجاحه، انطلقت أفلام الكرتون وشخصيات «ديزني» ثم حدائقها التي راجت عالمياً. ولدت المعلوماتية أنسالَ لفأر الرسوم التوهيمية، وصَنعت التكنولوجيا الرقمية أفلام الإحياء بالكومبيوتر التي أغنت الترفيه الالكتروني وألعابه.

وكذلك، طوّرت الفن السابع نفسه بطريقة جذرية. وصل الأمر ذروته راهناً في فيلم «بيوولف» (2007) الذي صُنعت شخصياته بأسلوب المحاكاة الافتراضية الثلاثية الأبعاد، وبالاستغناء عن البشر (الممثلين) إلا في..الصوت! وبهذا، تبدو الأمور وكأنها دارت دورة شبه كاملة، لكنها لولبية لأنها عادت إلى نقطة أعلى كثيراً في التقنية والفن من نقطة الانطلاق: «المركب ويلي». لربما صحّ القول إن «ميكي ماوس» أدى شخصية سينمائية لم يمثّلها جسد إنساني، ولكنه صُنِع بالرسوم التي تُخطّ بالقلم على الورق، كما أنه شخصية خيالية محضة. وسواء بالمعنى التقني الضيق أو بالمعنى الفكري الأوسع، فإن «ميكي ماوس» لم يظهر بولادة رقمية، والأهم أنه ليس إفتراضياً بالمعنى الذي يحمله مفهوم الافتراض ضيُِّّْفٌ الذي يقف في قلب أعمال الكومبيوتر. قد يطول النقاش عن الفارق بين الخيالي والإفتراضي، ويكفي القول هنا إنهما عالمان مختلفان، وبأكثر حتى من الفارق بين الفيلم الروائي وأشرطة الرسوم المتحركة. يمكن القول أن الرسوم المتحركة من صنع الخيال المحض، وأن الشخصيات الخيالية للرسوم المتحركة ولدت بلمسة نسوية: «سندريلا» في العام 1922، ثم «أليس في بلاد العجائب» في العام نفسه. كما أن تلك الرسوم استقت أفلامها الطويلة الأولى من حكايات الأطفال (مثل «الجميلة والوحش» 1959، و«كتاب الغابة» 1942، و«مئة كلب وكلب دلميشين» 1961) وصنعت برسوم الخيال ونُفّذت بشخصيات خيالية يُعتبر «ميكي ماوس» رمزاً مكثّفاً لها، ما جعلها تمتد على مساحة الترفيه الطفولي للتلفزيون على مدار العقود الثمانية الماضية. نمت أجيال على ذلك الخيال الذي امتد ليصنع جسراً مع أطفالها ثم أحفادها، ولربما لزمن أطول مقبل.

بين الكرتون والسينما... مع الكومبيوتر، ظهرت أفلام الكرتون من النوع الذي سُميّ «الأفلام الإحيائية بالكومبيوتر والتي وصلت إلى العالم العربي عبر أفلام مثل «كتاب الغابة» و«الملك الأسد» و«حورية البحر» و«أنتز» و«بونوكيو» و«مولان» و«علاء الدين» وغيرها. وترافقت تلك الموجة مع تصاعد دخول الكومبيوتر ومؤثراته وتقنياته وأفكاره إلى السينما، وبصور يصعب حصرها. وتصاعَد أمر التلاقي بين خيال السينما والعالم الافتراضي للكومبيوتر، وولدَت فكرة الفيلم السينمائي المصنوع بشخصيات الكومبيوتر بحيث تستطيع أن تعطي ملامحاً وأداء إنسانيين للاستغناء عن البشر في التمثيل. وكان المخرج ستيفن سبيلبيرغ أبرز من أعطى وعداً بأنه سيرفع أفلام الإحيائية إلى مرتبة الفيلم السينمائي الروائي، لكن لم تستطع ثلاثية أفلام «شريك» سوْمً أن تفي بالوعد.

مع ذلك، استطاعت أشرطة الرسوم المتحركة التي تدخلت تقنيات الكومبيوتر في صنعها، أن تدخل إلى صلب الفن السابع، وهو ما أشارت إليه رمزياً منافسة فيلم «حورية البحر» (1989) لأفلام البشر، الذي نال جائزة أوسكار أفضل موسيقى وغناء، إضافة إلى نيله جوائز مسابقات «غرامي» و«غولدن غلوبس» عن تلك الفئة أيضاً.

كرّست أفلام الإحياء المُجسّم مكانة شركات معلوماتية متخصصة في تقنياتها، مثل شركة «بيكسار»وصنعت تلك الشركة، مجموعة من الأشرطة الإحيائية المُجسّمة التي نالت أوسكارات سينمائية مثل «توي ستوري» الذي نال أوسكاراً عن مؤثراته الخاصة، وكذلك «مونسترز» (2001).

ونجح شريطها «البحث عن نيمو» (2003) في التأشير على اعتراف هوليوود بخصائص تلك الأفلام كفن خاص، عندما نال أوسكاراً مستحدثاً لتلك الفئة. وسجّل شريط «انكريدابلز» (2004) أنه رُشّح لأربعة جوائز أوسكار!

الفأرة والأرنب

ينافس الأرنب «روجر رابت» شعبية «ميكي ماوس». ولعب دوراً مهماً في الرسوم المتحركة وعلاقاتها المتشابكة مع الكومبيوتر. ففي العام 1988 ظهر فيلم شريط «من كادَ للأرنب روجر» ، من صنع المخرج روبرت زيميكس الذي أخرج بعده بعقدين تقريباً فيلم «بيوولف»! وقد استخدم فيلم «من كادَ للأرنب روجر» شخصية من أفلام الكرتون وجعله يمثّل بين ممثلين بشر. وحينها، حدس كثيرون أنهم بصدد تحوّل نوعي في الفن السابع.

يمكن الاستمرار في الاستعارة للقول إن الحاسوب قد أطاح بذلك البطل الذي قاد الانقلاب أيضاً، كما هو مألوف في انقلابات البشر وثوراتهم. لقد ضحّى الكومبيوتر بالأرنب الخيالي (بعد «قتله» الفأر الخيالي) ليصنع فنه الافتراضي.

حقائق

لابد من توضيح أن التعريف الدقيق لمصطلح «أفلام الإحياء بالكومبيوتر» ينطبق على تلك الأشرطة التي تصنع شخصياتها بالأبعاد الثلاثية المُجسّمَة، وهذا ما يفرقها عن أفلام الكرتون التي استعملت الكومبيوتر لتطوير مشهدياتها وبصرياتها ومؤثراتها.

ثمة فارق قوي بين «توي ستوري» Toy Story مثلاً، الذي ينطبق عليه التعريف الفعلي لفيلم الإحياء المُجسّم بالكومبيوتر، وبين «حورية البحر» الذي هو فيلم كرتون استُعمل الكومبيوتر في تدعيم مشهدياته.

يُنظر إلى «توي ستوري» (صنعه المهندس المعلوماتي والمخرج جون ليستر في شركة «بيكسار» ذيٍّفْ وأُطلق في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1995) باعتباره أول فيلم إحياء بالكومبيوتر بشخصيات ثلاثية الأبعاد في تاريخ السينما.

في العام 2006، تكرس الزواج بين أفلام الكرتون وأشرطة الإحياء المُجسّم بالكومبيوتر، أي أنه أخيرا ، حقّق «ميكي ماوس» نصراً كبيراً على الحاسوب الذي بدّله وغيره مراراً. إذ اشترت شركة «ديزني» شركة «بيكسار» وأدمجتها في استوديوهاتها.

يُنظر إلى «توي ستوري» (صنعه جون ليستر في شركة «بيكسار» Pixar وأُطلق في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1995) باعتباره أول فيلم إحياء بالكومبيوتر بشخصيات ثلاثية الأبعاد في تاريخ السينما.

في العام 2006، تكرس الزواج بين أفلام الكرتون وأشرطة الإحياء المُجسّم بالكومبيوتر، أي أنه أخيرا ، حقّق «ميكي ماوس» نصراً كبيراً على الحاسوب الذي بدّله وغيره مراراً. إذ اشترت شركة «ديزني» شركة «بيكسار» وأدمجتها في استوديوهاتها.

بيروت ـ غسان رزق