يعد مأمون البني من أهم مخرجي الدراما في سوريا، إلى جانب عمله في عدد من الأعمال الفنية العربية والخليجية بشكل خاص. ورغم أن البني تميّز في البداية بإخراج أعمال تاريخية ذات طابع فانتازي، إضافة إلى إخراجه بعض أجزاء سلسلة مرايا، فإن أعماله الكوميدية الحديثة حققت حضورا كبيرا على صعيد المشاهدة والجوائز، حيث منحه عمله «أيام الولدنة» خمس جوائز ذهبية في مهرجان القاهرة للإعلام الذي اختتم مؤخرا.
«الحواس الخمس» التقت البني في دمشق، وسألته عن النجاح الكبير الذي حققته أعماله الأخيرة، واطلعت منه على أعماله الجيدة على صعيد الدراما والسينما.
بماذا تفسر النجاح الكبير الذي حققه مسلسل «أيام الولدنة» على صعيد المشاهدة والجوائز؟
أعتقد أن السبب الرئيسي في نجاح «أيام الولدنة» هو كونه يعكس هموم الشارع العربي اليومية، وهذا ما أكدته لجنة الأعمال الكوميدية في المهرجان التي اعتبرت العمل من أفضل الأعمال الكوميدية المقدمة لهذا العام، بل إنهم قالوا لأحد أعضاء اللجنة وهو سوري: نحن نحسدكم على هذا الهامش الديمقراطي الدرامي الموجود في سوريا، الذي يسمح بوجود أعمال هامة تتحدث بصراحة عن الفساد المتفشي.
لكن البعض اتهم العمل بأنه يحمل صبغة محلية وموجه ضد أجهزة أمنية معينة؟
أبدا، هذا الكلام غير دقيق، العمل يتحدث عن فساد موجود في العالم العربي، عندما أتحدث عن تجاوزات أمنية في فرع أمني ما، هذا يعني فروع كثيرة أخرى، وعندما نتحدث عن الفساد الاجتماعي داخل أسرة ما، فهذا موجود في عدد من الأسر العربية، إذا نحن نتحدث عن مشاكل تهمّ كل مواطن داخل العالم العربي.
كأنك بدأت تتجه في السنوات الأخيرة نحو الأعمال الكوميدية دون غيرها.
حقيقة ليس الأمر كذلك، ولكن دعني أقول إني أفكر في إخراج أعمال اجتماعية وأؤكد هنا أن مسلسل «رفيف وعكرمة» الذي أخرجته هذا العام ذو طابع اجتماعي كوميدي خفيف، وهو تجربة فريدة على صعيد المعالجة الدرامية، حيث نجد أن الزوجين مهما اختلفا لا بد أن يعودا للوفاق مرة أخرى.
هل يعني ذلك أنك لا تفكر بإخراج أعمال تاريخية جديدة بعد تجربتك قبل حوالي عقد؟
أنا لا أحبذ الأعمال التاريخية، التاريخ تكتبه السلطات كما تريد، هناك أعمال تاريخية كثيرة غير صحيحة، البعض يعتبر الأعمال التاريخية موثّقة وهي ليست كذلك بل فيها تدجين معين للتاريخ، أنا تستهويني الفانتازيا التاريخية التي ليس لها علاقة بالتاريخ أساسا، وكنت قدمت عدة أعمال في هذا المجال مثل «القلاع» و«سيف بن ذي يزن»، ولكن هذه الموجة ذهبت بعد انتفاء الحاجة لها، وذلك بسبب توسّع الهامش الرقابي، وأعتقد أنه من الأهم لنا الآن أن نتحدث عن مشاكلنا السياسية والاجتماعية الحالية.
لكن بالمقابل، البعض يخشى على الدراما السورية من الأموال الخليجية، ما رأيك؟
أنا لا أرى مبررا لذلك الخوف، بالعكس بعد تجربتي مع الدراما الخليجية أجد الأمر مختلفا، فالمنتج هو صاحب رأس مال ويريد أن يربح، وفي بلد مثل سوريا الدراما ليس لها مساعدات من قبل الدولة، ورجال الأعمال السوريين مع الأسف ليس جميعهم مهتم بدعم الدراما، فلكي تتطور هذه الدراما يجب أن تستعين برأس مال من أي مكان، مع أخذ الحذر من الأفكار والشروط التي يضعها صاحب رأس المال لتمويل العمل، ويجب أن لا نقول إن الأموال الخليجية هي السبب في تدني مستوى بعض الأعمال السورية، لأن هناك رأس مال سوري قد يُستثمر في دعم أنواع درامية تتفق مع أفكاره.
كان لديك تجربة هامة في إدارة فضائية «شام»، ماذا قدمت لك هذه التجربة؟ وهل سرقتك من مهنة الإخراج؟
بالتأكيد، عندما استلمت مدير عام فضائية «شام» التي كانت تبث من سوريا، أوقفت جميع أعمالي الإخراجية لأنه كان لدي رغبة أن تكون «شام» مختلفة عن بقية الفضائيات العربية، وحاولنا إنجاز ذلك في شهر رمضان عام 2006، ونجحت القناة على صعيد المشاهدة بشهادة استطلاعات الرأي لبعض الصحف العربية، لكن للأسف أصبح هناك خلاف حول تأسيسها وحقوق وواجبات السماح لها بالبث في سوريا.
لكن ألم تجد صعوبة في إدارة القناة، خصوصا أن مهنة الإخراج مختلفة كليا عن الإدارة؟
بالعكس، أنا كان لدي تجربة سابقة في الإدارة خلال عملي في التلفزيون، حيث كنت رئيس دائرة المخرجين، وكنت أشارك ببعض الأمور المتعلقة بالإدارة في التلفزيون، وأعتقد أنه من الأفضل أن يستلم إدارة القنوات الفضائية مخرج أو فنان على أن يستلمها سياسي، لأن هذا الأخير سيحولها إلى فضائية إخبارية ويأخذها باتجاه خط سياسي معين، كما أنه أقل دراية بطبيعة البرامج المقدمة، بعكس المخرج.
ربما يتساءل البعض: لماذا هجرت السينما ؟
حقيقة أنا لم أهجر السينما، لكن قلة الإنتاج السينمائي في سوريا جعلتني أتجه كغيري من مخرجي السينما في سوريا إلى التلفزيون، ولكني أخرجت عددا من الأفلام الوثائقية التلفزيونية أبرزها «المرأة الريفية» الذي نال عدة جوائز، كما أخرجت فيلما روائيا طويلا بعنوان «يوم في حياة طفل» ونال جائزة التانيث الذهبي في مهرجان قرطاج السينمائي، والجائزة الفضية في مهرجان بيروت السينمائي.
هل لديك أعمال جديدة على صعيد السينما؟
أخرجت هذا العام فيلما سعوديا بعنوان «صباح الليل» عن نص للكاتب راشد الشمّراني وقد شارك في مهرجان دبي السينمائي، ويتحدث العمل عن رجل يخترق الماضي ويكتشف أن أسباب الحروب العربية منذ القدم وحتى الآن هي أسباب سخيفة جدا، فيحاول أن يقدم الحلول لها، كأن يمنع حرب البسوس بعد شرائه ناقة جديدة لبني ربيعة.
ولدي سيناريو فيلم قديم بعنوان «أرادوس» أعددته بالاشتراك مع الكاتب الراحل ممدوح عدوان ولم أستطع إخراجه لأنه «مكلف جدا» بحسب رأي المؤسسة العامة للسينما في سوريا، ويروي العمل الذي يجمع بين التاريخ والأسطورة قصة نشوء جزيرة أرواد السورية مستندا إلى «أسطورة أرادوس» التي تقول إن «ارادوس» حورية البحر التي أحبت إنسانا هربت من والدها ملك البحار الذي سجن الإله «بعل»، وحاولت أمها أن تحررها من قبضة والدها فأقامت لها جزيرة صغيرة تدعى «أرواد» وهناك عاش العاشقان وحيدين كآدم وحواء.
الدراما الخليجية
قدمت عدة أعمال درامية في الكويت منها «القصاص» و«بين الهدب دمعة» الذي يتناول موضوعا جريئا اجتماعيا لم يتطرق إليه أي عمل كويتي، فهو يتحدث عن نظرة الناس للمطلقة التي تضطر للخضوع لبعض الشروط لتستطيع العيش في مجتمع مغلق.
طبعا أي مخرج يعمل خارج بلده سيكتسب خبرة كبيرة من خلال التعرف على الآخرين وطريقة عملهم، خاصة أن الدراما الخليجية تتطور بسرعة، وقد تعرفت على عدد كبير من المخرجين والفنيين في الخليج وأدركت كيف ينظّمون أعمالهم ويقدمونها على الشاشة.
ولا شك أن الدراما الخليجية أخذت مكانا كبيرا في الخارطة الدرامية العربية، لكن ليس على حساب أي دراما أخرى، بل بالعكس أنا أرى أن نجاح الدراما مهم بغض النظر عن جنسيتها لأن ذلك يخلق تنافسا مشروعا ومهما، ففي العام الماضي كانت الدراما الخليجية ناجحة جدا على صعيد المشاهدة وهذا العام الدراما السورية نجحت أكثر، وقد نجد الأعمال المصرية في العام المقبل ناجحة أكثر منهما، وهذا يخلق نوعا من التكامل لا الإقصاء.
دمشق - حسن سلمان
