ليس من الغرابة أن تأخذ الشعوب من تجارب بعضها، ولا عيب بأن يتخاطر المبدعون فيما بينهم بالأفكار، ولا ضير بأن تنفذ نسخة فنية عن لوحة أو فيلم أو أغنية، أو مسلسل، أو مسرحية، أو رقصة، تتوافق مع الثقافة والتراث المحلي لأمة أو شعب ما، مترافقاً مع ذكر أن هذه النسخة مقتبسة أو مأخوذة أو مطابقة للنسخة الفلانية، لكن العيب والعيب كله بأن تُسرق أعمال فنية بالكامل، من دون الإشارة إلى صاحبها الأصلي، والأدهى من ذلك وضع اسم مغاير لاسم صاحب العمل.
ما يدفعنا لفتح هذا الملف؛ هو الرائحة التي باتت تزكم الأنوف من السرقات الفنية العربية من الأعمال العالمية، فهذا المطرب »يلطش« أغنية للفنان الإيراني أو التركي أو الهندي، ويصورها وينال عليها الشهرة، وذاك المخرج »يقتبس ـ تلطيفاً لمصطلح السرقة ـ مسلسلاً أو برنامجاً وتظهره وسائل الإعلام بمظهر »الفلتة« والعبقرية التي لن يكررها التاريخ، وتتكرر السرقات من دون رقيب أو حسيب. وحين نأتي إلى المشهد السينمائي العربي لنتعرف على رصيد هذا المشهد الذي يقترب من 100 عام مضت؛ يفاجئنا هذا الكم الهائل من الأفلام العربية المأخوذة، والمسروقة بالكامل من الأفلام العالمية من شتى بقاع الأرض. وليت هذه الأفلام قد ظهرت بمستوى النسخ الأصلية الأجنبية من حيث الإخراج والأداء والإمكانيات؛ بل انها ظهرت بمستوى باهت وتمت معالجتها بصورة ساذجة تسخر من المشاهد العربي ولا تحترم ذكاءه وعقله، وسنحاول من خلال ما رصدناه في المكتبة السينمائية العربية إجراء مقارنة سريعة لمجموعة من هذه الأفلام، من دون أن نقصد النيل من أحد؛ بل لطرح التساؤلات ووضع الجمهور في موضع الحكم لا المتفرج فقط.
الإبياري المؤسس... نبدأ الحكاية من البداية؛ مع وصول السينما إلى المنطقة العربية، حيث أول فيلم عربي ناطق «أولاد الذوات» 1931 للمخرج الراحل محمد كريم، لتتوالى بعدها الأفلام العربية التي كانت حصة الأسد فيها لمصر، وظهر إلى الوجود مؤلف وشاعر وكاتب سيناريو مصري اسمه أبو السعود الإبياري المولود في القاهرة عام 1911، الذي إذا نظرنا إلى رصيده، نجد أنه أنجز ما يقارب من 500 فيلم، يعتبر ذلك ما يقارب 15% من إنتاج السينما المصرية إلى الآن ـ وبغض النظر عن المتحمسين لإنتاج الإبياري ؟ وقد حاز بعضهم رسائل دكتوراه عن هذا الإنتاج ـ إلا أن التاريخ الفني يقول إن الإبياري يعتبر أول من أسس لقضية »الاقتباس« في السينما العربية، حيث وضع اسمه على عشرات من الأفلام التي ظهرت في القرن الماضي، باعتباره مؤلف وكاتب السيناريو لتلك الأفلام؛ رغم أنه يعترف لاحقاً في مذكرات ظهرت لزملائه أنه كان يقتبس أفكاراً وسيناريوهات تلك الأفلام من أفلام أجنبية.
حين نأتي إلى قائمة الأفلام العربية المأخوذة إما بالكامل أو بأجزاء كبيرة من الأفلام الأجنبية؛ فالقائمة تطول، وسنبدأ بصورة عشوائية مع بعض الأفلام، ونقارن كيف كانت النسخة الأجنبية، وكيف ظهرت النسخة العربية، وسنبدأ مع فيلم (في محطة مصر) إنتاج 2006 تمثيل كريم عبد العزيز ومنّة شلبي وإخراج أحمد نادر جلال، نلاحظ ظهور اسم بلال فضل في الفيلم بالعبارة التالية: (قصة بلال فضل) وهو كاتب السيناريو المصري المعروف، بينما يعرف جميع من شاهد فيلم (المشي على الغيوم ـ a Walk in the Clouds) المنتج عام 1995 أن الفيلم المصري مأخوذ بالكامل عنه، وكاتبا القصة هما المكسيكيان بيريو تاليني وكازار زافتيني، وهذا الفيلم هو الذي جلب الشهرة للنجم كينو ريفيز بطل سلسلة (ماتريكس) الشهيرة بعد أن ظهر في فيلم الأكشن (سبيد)، وشاركه في (المشي على الغيوم) الممثل العالمي أنتوني كوين.
وفي الحقيقة، إن محطة مصر ألهمت مخرجاً مثل يوسف شاهين لإخراج أجمل أفلامه (باب الحديد) ولكن (في محطة مصر) الفيلم الذي ظهر في 2006، ما كان إلا نسخة لم ترقَ إلى النسخة الأميركية ـ المكسيكية التي ظهرت عام 1995، وكما أشرنا فليس عيباً أن تضع في مقدمة الفيلم الذي تخرجه أو تنتجه أنه مقتبس عن القصة أو الفيلم الأجنبي الفلاني، وقد شاهدنا ورأينا ذلك التصريح والإعلان في عشرات الأفلام العالمية، فما الضير في ذلك.
الجيل الجديد
الفيلم الآخر الواضح المعالم في هذا المجال؛ هو فيلم (تيتو) للممثل المصري أحمد السقا وحنان ترك، وهو من إنتاج عام 2004، وهو مأخوذ عن الفيلم الفرنسي الشهير (ليون المحترف) الذي يعود إنتاجه إلى العام 1994، وبطولة الممثل جان رينو ورافقته في مشواره ناتاليا بورتمان الممثلة الحسناء التي أدت أداءً رائعاً، والتي أصبحت فيما بعد إحدى أشهر نجمات السينما.
وتدور قصة الفيلم حول قاتل مأجور يتوقف عن القتل بعد تعرفه على فتاة، وتغير فلسفته في الحياة، وهذه هي التيمة التي شاهدناها في فيلم (تيتو)، والمضحك في الأمر أن بطل الفيلم السقا؛ ظهر في أغلب مشاهد الفيلم بمظهر منسوخ عن جان رينو بنظارته السوداء ومعطفه الداكن، بل حتى »الكاب« الذي يضعه على رأسه.
ومن الإنتاجات العربية الحديثة؛ فيلم »خليج نعمة« للممثلة غادة عادل وهو من إنتاج عام 2007، وتم عرضه أخيراً على شاشة إحدى الفضائيات، وتدور احداث الفيلم حول شخصية (جنة) التي تتزوج من شاب ثري وتسافر إلى اليونان، ولكنه يعاملها معاملة جافة ويرهبها داخل المنزل، فتهرب منه وتعود إلى مصر فتقرر إعادة افتتاح الأتيلييه الخاص بوالدها في (خليج نعمة)، وتقابل مجموعة من الشباب يحاولون العمل في شرم الشيخ وتقع في غرام أحدهم، ولكنها تشعر أن زوجها ما زال يطاردها.. فإلى أين تذهب بك القصة؟ أليس إلى (Sleeping with the Enemy) للممثلة العالمية جوليا روبرتس. وظهر هذا الفيلم عام 1991.
وأدت فيه جوليا دور (لورا) المتزوجة من أحد الرجال الأثرياء والذي يعاملها معاملة قاسية جداً، فتضطر للهروب منه والتعرف على أحد الشبان فيقوم الزوج بالمطاردة، وقد أدت فيه النجمة العالمية واحداً من أجمل أدوارها على الشاشة، ولا يمكن مقارنة الإخراج والأداء في (خليج نعمة) بهذا الفيلم العالمي من ناحية الجذب والدهشة للمشاهد في الفيلم الأميركي.
ولا تقف قائمة الأفلام العربية المنسوخة من الأفلام العالمية؛ عند حدود (الأكشن) و(الدراما)، بل أنها تصل إلى أفلام الكوميديا، وكما أشرنا فالقائمة تطول...
ومن بين الأفلام التي ستشكل صدمة: »جاءنا البيان التالي« الذي أخرجه سعيد حامد ومثل فيه نجم الكوميديا محمد هنيدي مع حنان ترك، مأخوذ بالكامل عن فيلم (أحب المتاعب) الذي أخرجه تشارلز شاير، ولعب دور البطولة فيه: الممثلة جوليا روبرتس ـ أيضاً ـ والنجم نك نولتي، والفارق الوحيد بين الاثنين أن (هنيدي) و(ترك) يعملان في محطة فضائية، بينما تعمل (جوليا) و(نولتي) في صحيفة يكتشفان أن إحدى الشركات تقوم بعمليات كيمياوية خطرة بغرض زيادة إنتاج حليب الأبقار لزيادة ثراء الشركة.. فهل تتذكرون قصة (جاءنا البيان التالي)؟
الفيلم الكوميدي الآخر هو (الحب كده) تمثيل: حمادة هلال وهو من إنتاج عام 2007، مأخوذ بالكامل عن فيلم ( Are We There Yet) للمخرج برايان ليفينت وبطولة آيس كيوب، وما يثير السخرية أن ملصق الفيلم العربي نسخة طبق الأصل عن الفيلم الأجنبي، فهل هي توارد خواطر؟
قائمة طويلة
من أبرز الأفلام العربية المنسوخة عن أعمال عالمية: فيلم (الرغبة) لنادية الجندي منسوخ عن المسرحية الأميركية (عربة اسمها الرغبة) للكاتب تينيسي ويليامز، فيلم جواز بقرار جمهوري مأخوذ عن الفيلم الإيطالي (الباب)، فيلم (السلم والثعبان) عن فيلم (About last night)، فيلم (شورت وفانيلة وكاب) مأخوذ بالكامل عن الفيلم الأميركي (إجازة رومانية)، فيلم (استاكوزا) للراحل أحمد زكي ورغدة عن نص للكاتب العالمي وليام شكسبير بعنوان (ترويض النمرة)، ولم يذكر أي إعلان في هذه الأفلام أنه مقتبس.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري



