في معرضه الذي أقيم مؤخرا في المركز الثقافي الفرنسي بدمشق يعود الفنان السوري المخضرم غسان جديد مجددا إلى الاحتفاء بالمكان عبر رسمه ملامح مدينته الجميلة (طرطوس)، بعد عشرات المعارض التي أقامها خلال عمره الفني الذي تجاوز 4 عقود.

وإذا كان جديد لم يملّ من رسم ذات الأمكنة التي عرفها خلال مسيرته الفنية (برج طرطوس ـ أسوار المدينة القديمة ـ المرفأ الروماني ـ طاحونة الهواء)، فإنه يعيد تشكيلها مجددا معتمدا على لغته الطفولية البسيطة التي لا تملّ التجريب والعبث بالأشياء، ومن ثم إعادة ترتيبها على نحو مختلف ومتفاوت الإيقاع في كل مرة. يقول جديد لـ «الحواس الخمس»: «لوحاتي مستمدة من طرطوس، ولكني أكرر العناصر والمواضيع المستخدمة في اللوحة، أتلاعب بها كأحجار الشطرنج، وأمنحها بعض التوازن والحركة وقليلا من العاطفة». ويؤكد جديد أن همّه الأول هو نقل هذه الأحاسيس الجميلة للناس ومنحهم السرور، مشيرا إلى أن الفنان يلتقط المناظر ويعيد تشكيلها بشيء من الذاتية، موردا قول للمفكر روجي غارودي: «أصبحت شاعرا بين البشر حين كنت أستنشق الحياة وأعيدها في زفير أسمعه».

ويرى جديد أن العمل الفني «كتكوين» يشبه الشعر والموسيقى من حيث كونه انعكاسا للمشاعر وحنينا إلى الماضي، مشيرا إلى أن اللوحة لتكون متكاملة يجب أن يتمتع رسّامها بثلاث ميزات (نضج فكري وفني ونفسي).

ويؤكد أن الفنان والفيلسوف يتمتعان بنظرة كلية وعميقة عن الواقع تختلف عن نظرة بقية الناس، مشيرا إلى أن أصعب لحظة عند الفنان هي عندما يبتعد عن لوحته، لأن الأخيرة تمتلك جاذبية قوية، كما أنه «من الصعب أن تجد فنانا راضيا كليا عن لوحته التي أنجزها للتو».

ويضيف: «شهدت مسيرتي الفنية عدة مراحل، وفي البداية كنت أرسم أشخاصا وكائنات، أما الآن فأكتفي برسم البيئة فقط (البيوت ـ الأمكنة) وأركز على التضاد اللوني والعلاقة بين السطوح، كما اطّلع الآن على الحركات الفنية الجديدة في العالم والتي يعتبر معظمها أن اللون كائن حي لا يقل أهمية عن بقية العناصر المستخدمة في اللوحة».

ورغم أن جديد يميل إلى التجريد في بعض أعماله كونه «يركز على الحركة والملمس والإيقاع وفيه شيء من الموسيقى»، لكنه بات يفضل الآن «العودة للبدائية والتبسيط والسطوح المتحركة»، كونها أقرب إلى الناس من التجريد الذي يُعد فنّا نخبويا

دمشق ـ حسن سلمان