تابع جمهور مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الثانية والثلاثين والتي نظمت خلال الفترة من 18 إلى 28 نوفمبر الماضي الفيلم التركي «المبعوث» الذي عرض ضمن المسابقة الدولية للأفلام الروائية الطويلة ونال إعجاب معظم من شاهدوه.
الفيلم من تأليف وإخراج كاجان أرماك وبطولة كيتن تيكندور وهوميرا أوميرا، وتبدأ أحداثه بـ «زكريا» وهو حكاء أو راوي قصة رحال يجمع أطفال كل قرية يذهب إليها ليحدثهم عن إبراهيم المبعوث وحكايته المؤثرة والمليئة بالجراح منها فقده لبصره وجراح أخرى.
هدف زكريا من ذلك أن يعرف كل شخص تلك القصة المرتبطة بغموض والتباسات حول هذا المبعوث، فزكريا المسن ليس حكاء عاديًا فهو عندما يقص حكاية يريد أن يفعم عقول الأطفال بالتفكير والتفاعل حتى لا ينسوها، وهو شخص كلما كان يحكي القصة كانت حدة الألم تحف في قلبه ونفهم منه أن حامل الرسالة إبراهيم كان رمزًا للشجاعة والثورية ولديه قدرة على حث الآخرين على الفعل، واستخراج ما بداخلهم من قوى للتحرك.
القرية الأخيرة التي وصل إليها الحكاء عصفت بها كارثة طبيعية وانتشر فيها وباء وقد كانت غارقة في الآثام والخطايا، وكان فيها يوم صمت وأصبح اليوم صوتا مسموعا ما كان مختبئا في الظلام فخرج إلى النور، ولذلك فإن كل الأشخاص المخلصين والصادقين يكونون في انتظار اليوم الذي يأتي فيه إبراهيم وينقذهم، وطبقا لحكاية زكريا فإن إبراهيم سيأتي على القرية وينقذهم في يوم ما.
وخلال الندوة التي عقدت عقب عرض الفيلم مباشرة مع مخرج الفيلم كاجان أرماك، قال مخرج العمل: هذه القصة جرت أحداثها منذ عدة قرون أو ربما تكون هذه القصة من أيامنا هذه.. لكن مهما يكن الإطار الزمني، فالفيلم يدعو إلى رجوع المرء إلى جوهره والتأكيد على أنه بإمكان أي إنسان أن يحقق حالة من السلام الداخلي عندما تكون كلمته هي ما بجوهره.
روحانية الفيلم
والفيلم، والكلام لمخرجه، يحاول أن يصل إلى الغد مستخدما لغة الأمس، كما يجسد فلسفة تقوم على الدعوة للإخاء بين كل البشر بصرف النظر عن جنسياتهم ويظهر الفيلم أن الطيبة هي حالة من يمكنها أن تنمو وتزدهر، وأن وجود الشر داخل قلب المرء يمكن أن يسبب له العمى والحماقة والتهور، لكن بالإيمان الصادق يمكنك أن تسقط النجوم التي في السماء على الأرض.
وحول استخدامه لبعض الأسماء التي تدل على الديانة الإسلامية، أوضح أرماك بأنه لم يقصد ذلك تحديدًا، ولكنه كان يقصد كل الأديان، وقال: هناك إشارات إلى هذه الأديان مثل الإسلام والمسيحية واليهودية، مضيفا: على الرغم من أنني مسلم وأمارس كل الطقوس الإسلامية إلا أنني لا أعادي أحدًا ولا أعادي أي دين.
وأكد أنه أراد من خلال الفيلم القول ان الدين يخص كل إنسان وحده، فهو علاقة خاصة بين الإنسان وربه وليس من المفروض أبدا أن يتم استغلال الدين من أجل الحصول على منافع شخصية أو مكاسب سياسية.
وحول كيفية تصويره بعض المشاهد التي تتسم بالخيال الواسع مثل مشهد النهاية الذي يموت فيه معظم أبناء القرية مصابين بالجذام قال مخرج المبعوث: اعتمدت على خيالي في تصوير هذه المشاهد تماما مثل الطفل الصغير الذي كان يتخيل الشخصيات التي يحكي عنها الغريب، فمثلا تخيل شخصية الرجل الجبار في شخصية والده وكذلك الأشرار جسدهم في خياله ببعض أبناء القرية ولكن الوجه الوحيد الذي لم يستطع أن يتخيله هو وجه الرسول لأن الغريب هو الذي طلب من الأطفال ألا يتخيلوه.
وقال عن هؤلاء الأطفال انهم كانوا في قرية معزولة لذلك كانت كل تخيلاتهم من نفس المكان وفي القصة الواقعية كانت هناك مأساة موت فرحات ولكن الطفل السمين «صافات» حول هذه النهاية المأساوية في خياله إلى نهاية سعيدة.
واقع السينما التركية
وحول واقع السينما التركية قال أرماك: هناك مسافات واسعة بين كل نوع من أنواع السينما التركية، فهناك السينما الكوميدية أو التجارية التي تحقق أعلى الإيرادات، وهناك السينما التي تعتمد على الفكر والرسالة وأعتقد أنني ضمن ثلاثة مخرجين يقدمون هذا النوع من السينما؛ لذلك فأنا أكتب أيضا أفلامي ولا أسمح للمنتج أن يتدخل أبدا في عملي.
القاهرة ـ «دار الإعلام العربية»


