الإبداع كما المطر، يأتي في لحظات معينة ولا يتمكن أحد من إيقافه، فيعم على الأرض خيراً ومتعةً وصفاءً ونقاءً، وفي الإبداع تتساقط الأفكار والخواطر، فترسم لوحة تنفرد في خصائصها الجمالية.
وفي الحالة الأولى تتشكل الغيوم وتتكاثف بفعل التحام جزيئات الأكسجين مع الهيدروجين، وكل ما تحتاجه بعد ذلك فقط نسمة هوائية باردة، فتنزل حبات ماطرة، أما الإبداع فيحتاج محفزاً أساسياً لتشكله وهو مظلة تأويه، وقليل من الوقت لاسترخاء الدماغ، فتخرج فكرة إبداعية تترجمها الإمكانات التقنية والفنية المتوفرة.
ربما ذلك بالتحديد ما أوجده القائمون على مسابقة «فن العبوة» المبتكرة من «ريد بل»، الذين وفروا للفنانين فقط مجرد محفز معقول، فانطلقت الخواطر الإبداعية مرتكزة على فكرة تشريح وتكاثف عبوات «ريد بل» أو التلاعب بها كما الكرات، وبذلك أوجد الفنانون أفكاراً واقعية لا يمكن لأحد أن يمر من أمامها دون أن يترك من وقته دقائق عديدة لمطالعتها.
القائمون على فكرة المسابقة التي استقطبت 122 فناناً مشاركاً، نظموا في غاليري مول الإمارات في دبي حفلاً افتتاحياً لمعرض «فن العبوة» من «ريد بل»، اشتمل على أعمال فنية متنوعة؛ بين منحوتة إلى لوحة وصورة فوتوغرافية ومجسمات وتصاميم ميكانيكية وسمعية وصوتية.
وهي ابتكارات لفنانين إماراتيين وخليجيين وعرب وأجانب مقيمين في دولة الإمارات أو خارجها، كانوا اشتركوا في مسابقة «فن العبوة» التي أُطلقت في الإمارات في مايو الماضي تحت شعار «العبوة مصدر إلهامك»، من منطلق إجابتهم عن سؤال «ما الذي يمكن أن تلهمك إياه عبوة ريد بُل؟».
وعلى بطاقة الدعوة التي وزعتها «ريد بل»، كتبت عبارات مقتضبة توضح فحوى المسابقة، ومنها «بعد تحدينا الفنانين حول العالم بسؤال بسيط، توجهنا بنفس السؤال إلى المواهب المبدعة في الإمارات، وهو «كيف يمكنك أن تجسد ما تلهمك به عبوة «ريد بل»؟. فكانت الإجابات تحفا فنية إبداعية، وكان لا بد من عرضها لإمتاع الجمهور بروعتها، وليكرم أصحابها.
أشكال مبدعة
الفنانون المشاركون في المسابقة جسدوا أشكالاً فنية تتحدى في أفكارها وحضورها كثيراً من الأعمال الفنية الإبداعية، حيث راحوا منذ مايو الماضي في رسم أفكارهم بما يضمن لهم المنافسة في النهاية، وعليه وفرت لهم الشركة القائمة على المسابقة الفنية غير الاعتيادية، مسرحاً واسعاً لعرض أعمالهم ومبتكراتهم، وكان ذلك في مول الإمارات في دبي، حيث سيستمر الحدث إلى 19 سبتمبر الجاري، بهدف تمكين أكبر شريحة من الجمهور من الإطلاع على الأعمال الفنية المبتكرة التي جسدتها أنامل فنانين طامحين.
وتلك السهرة الفنية الخاصة التي وفرتها «ريد بل» في غاليري مول الإمارات على شرف الإعلان عن الفائزين في المسابقة، جمعت مئات الفنانين وأصدقاء «ريد بل»، وشخصيات إعلامية ووجوها فنية مختلفة، وفي المجمل كانت الأجواء بحجم مسابقة فنية بهذا المجهود، وكأنها وجدت لتكريم تلك الجهود بمعرض يحفظ للمبدعين مكاناً في ناظري الجمهور.
والمسابقة قدمت جوائز للمراكز الثلاثة الأولى من بين الـ 122 عملاً مشاركاً، ووفرت كذلك لجنة من المحكمين المبدعين في مجال الفن، الذين قاموا بجولة على المعروضات الفنية قبل ساعتين من فتح أبوابه أمام حفل المدعوين، وسجلوا حول كل عمل مجموعة من النقاط، حيث تم تفصيل التحكيم إلى ثلاثة جوانب هي: الإبداع، والموضوع، والمظهر النهائي.
الفائزون الثلاثة
وفي الحفل الرسمي الذي انطلق بعد انتهاء عمليات التقييم تم الإعلان عن الفائزين الثلاثة بالمسابقة، ونال مايكل توردا من الفلبين الجائزة الأولى عن عمله «آي أم ليجند»، وجاء في المركز الثاني رودل نوجا من الفلبين عن لوحته «ميت ذي ميث»، أما الجائزة الثالثة فكانت من نصيب جيري مانينانغ من الفلبين أيضاً عن «إنيرجايزيغ لايف ستايل».
أما لجنة الحكم فتألفت من راميش شوكلا، أحد أبرز رواد التصوير في دولة الإمارات، ونائلة الخاجة، أول امرأة إماراتية منتج ومخرج أفلام سينمائية، وعزة القبيسي، أول مصممة مجوهرات إماراتية ذات شهرة عالمية، وحنيف ريساني، أول «دي جي» إمارتي مشهور عالمياً في مجال التنسيق والإنتاج الموسيقي، ورامي فاروق، مؤسس غاليريا «ترافيك»، وآجيلوس أنتونوبولوس، رسام ومساعد محاضر في جامعة أثينا للفنون الجميلة، وكريستوفر لورد، إعلامي ومحرر ثقافي في مجلة «تايم أوت».
نائلة الخاجة وبعد إعلان أسماء الفائزين هنأت الرابحين بعد تلك الجهود النوعية المبتكرة، مشيرة إلى أن مهمة لجنة التحكيم لم تكن سهلة، فالمستوى الفني للأعمال المعروضة عالٍ جداً، حيث وقف الجميع أمام ابتكارات فنية تعكس مواهب رائعة وجدية في الابتكار.
«فن العبوة»
وأكدت الخاجة أن معرض «فن العبوة» هو خير مثال على كيفية دعم القطاع الخاص للفنانين المبتدئين والمحترفين معاً في دولة الإمارات، ومثل هذه الخطوات، تلقى دائماً الدعم الحكومي في سبيل تعزيز التوجه الفني والثقافي لدبي خاصةً، ولدولة الإمارات عامةً. أما «ريد بل» فكان أعلن في شهر مايو 2008 عن انطلاق المسابقة لهذا العام، على أن يكون أكتوبر الماضي الموعد الأخير لتسليم الأعمال المقدمة، وقد تم إنجاز ما يزيد على 122 عملاً مبتكراً، جميعها لاقت إعجاب الزوار والقائمين على فكرة المسابقة، بل حتى المحكمين.
الجوائز الثلاثة الأولى ذهبت لصالح دولة وحيدة، وهي الفلبين، وذلك لكون أن الأعمال المقدمة من فناني تلك الدولة، والكثيرة نسبياً، نالت بحق إعجاب الزوار على اختلاف جنسياتهم وأعراقهم، فوقفت كلمة الحق إلى جانب فناني الفلبين الثلاثة الأوائل، وذلك على الرغم من الأعمال أخذت في تنظيمها وعرضها أرقاماً جافة، وليست أسماء أو جنسيات معينة.
الرابح الأول في مسابقة «فن العبوة» من «ريد بول» سيحظى بفرصة الاختيار بين جائزتين: فإما أن يقيم معرضه الفني الخاص لفترة أسبوع كامل في الإمارات، حيث يعرض مبتكراته الفنية المستوحاة من عبوة «ريد بل» بالإضافة إلى أعماله الأخرى، أو إما أن يختار هو محترفاً فنياً يتشارك معه خبراته الفنية لمدة أسبوع كامل في دولة الإمارات.
ويحظى الرابح الثاني في المسابقة بفرصة إمضاء خمسة أيام بمرافقة فنان عالمي أو من دولة الإمارات، يكون ذا موهبة متفوقة ورفيعة المستوى، ويجتمعان في معرض واحد يتشاركا في خبراتهما الفنية، أما الرابح الثالث في «فن العبوة»، فله حرية اختيار أي محترف فني من لائحة وضعت خصيصاً له ليجلبه إلى الإمارات لمدة ثلاثة أيام.
«فن العبوة» هي مسابقة تطلق للمرة الثانية، وتستضيف دولة الإمارات هذا الحدث الفني، من منطلق أن الإمارات هي البلد الوحيد في الخليج العربي والشرق الأوسط، الذي يطلق نداء الابتكار لمبدعيه بعد أن تجسد هذا النداء الفني منذ العام 1997 في كل من انجلترا، وألمانيا، وسويسرا، والنمسا، ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا.
دبي ـ عنان كتانة



