يبدو أن دخول العديد من الملحنين العرب إلى ميدان الغناء لم يأت بمحض الصدفة، ولم يبلغ حد أنه «ظاهرة» كما يشاع داخل الوسط الفني، فألحانهم هي من أطلقت شهرة ألبومات العديد من المطربين والشعراء الذين اقتسموا معهم طعم الشهرة والنجاح معلنين بذلك أحقيتهم في الإبداع أينما كان وكيفما كان، وبطبيعة الحال فان التحول إلى الغناء كانت وراءه أسباب كثيرة ومنها بالطبع المزيد من الأضواء والشهرة ثم الأرصدة المالية والشيكات البنكية، بعد أن فطنوا إلى أن جهودهم قد تباع لأنصاف المطربين ونجوم النشاز.
ولكن الحقيقة المؤكدة أن الساحة الغنائية تخسر الكثير باختلاط الأدوار بعد أن سبقهم شعراء الأغنية أيضا إلى التلحين والغناء، واتجاه المطربين كذلك إلى التلحين والتأليف لأنفسهم مما جعل الساحة الغنائية ترقص التنورة ب«ألوان السماء السبعة»!! تتمتع بشعبية وجماهيرية فاقت كل التوقعات، ومن جانبه يؤكد الملحن مدحت الخولي الذي اتجه أخيرا إلى الغناء وقدم ألبوما بعنوان «مش لوحدك» أن الغناء ليس جديدا علي.
فقد بدأت حياتي الفنية مطربا في الإسكندرية من خلال فرقة الحب والسلام، وعندما حضرت إلى القاهرة في منتصف الثمانينات ولاقت أغنيتي الأولى «يا بنت يا أم المريلة كحلي» التي كتبها صلاح جاهين وغناها محمد منير النجاح الكبير أجلت مشروعي الغنائي وانشغلت بعملي كشاعر وملحن، خصوصا أنني وجدت مجموعة من الأصوات الجيدة التي لها شعبية تعبر بصدق عما أكتبه.
وارتحت نفسيا لهذا الموضوع لأنه كان يهمني أن يصل ما أكتبه أو ألحنه للناس، لكن في الفترة الأخيرة وبعد عقود الاحتكار التي وقعها الكثير من المطربين مع بعض الشركات وجدت صعوبة في التعامل معهم ففكرت في عمل ديوان مسموع لكني أجلت الفكرة وقررت تقديم نفسي كمطرب لأن الفكرة كانت تراودني منذ فترة طويلة، وكثير من زملائي المطربين مثل هشام عباس ومحمد فؤاد وأمل وهبة أشادوا بصوتي وشجعوني على خوض تجربة الغناء.
ولم تكن الشهرة والنجومية هما السبب في اتجاه رامي صبري إلى الغناء فهو يرى أن الغناء بالنسبة له تعبير عما يشعر به من مشاعر وأحاسيس هو وأبناء جيله من الشباب، ويؤكد أنه لا ينافس أحدا وسيستمر في الغناء والتلحين ويقول ما المانع في أن أغني وأستمر في التلحين؟ فالغناء لن يؤثر في عملي الأساسي كملحن.
وعلى النقيض تماما نجد الملحن عصام كاريكا الذي كان صريحا للغاية ومتصالحا مع نفسه عندما أكد أن اتجاهه إلى الغناء كان دافعه الأول الغيرة من نجاحات المطربين الذين تعاون معهم مؤكدا أنه صاحب الفضل في نجاحاتهم، ولذا آثر أن يقدم ألحانه لنفسه حتى يحقق الوجود مع الجمهور والشهرة وهذا ما تحقق له بالفعل في الفترة الأخيرة عبر أغنيات «شنكوتي» «البنت دي مؤدبة» و«ربنا يهده».
ويقول الملحن وجيه عزيز صاحب أغنيات «من أول لمسة وتعالالي لمحمد منير، ومش نظرة وابتسامة لسيمون« والذي قدم ألبومين هما بالليل وزعلان شوية ـ إنه يتعامل مع التلحين والغناء منذ بدأ مشواره الفني عام 1988 لكن ألحانه حققت نجاحا كبيرا ووصلت إلى الناس قبل صوته. ويؤكد عزيز أن صعوبة التعامل مع المطربين هي السبب وراء تحول العديد من الملحنين إلى الغناء.
حيث إن أغلبهم لا يتمتعون ولو بجزء صغير من الحرية في التعامل مع الملحنين، و90؟ من المطربين محبوسون في نوع واحد من الغناء وهو الغناء العاطفي الذي أصبح مملا ومكررا وانتهى عصره برحيل أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم وغيرهم، وكل ما يغنى حاليا هو إعادة لما غناه هؤلاء العمالقة، وإما أن تدخل لهذه الدائرة أو لا تتعامل معهم، وبالنسبة لي ما ينفعش أدخل دائرتهم أو ألحن أغنيات غير مقتنع بها.
من جانبه يشدد الموسيقار حلمي بكر على أن المطربين الملحنين أو العكس ما هي إلا ظاهرة وفوضى غنائيه نعيشها حاليا، والتي أعطت الجرأة لكل من هب ودب في الوقوف أمام الميكروفون ليغني، فالكل يريد الشهرة ويبحث عنها وبات الملحن يغار من شهرة المطرب، والمطرب يغار من الملحن والشاعر وهكذا.
وساعدت على هذه الفوضى الفضائيات الغنائية التي لا يوجد عليها رقيب! ويضيف بكر إننا نعيش في عصر التعليب الغنائي بفضل الاستديوهات المجهزة ومحسنات الصوت والتكنولوجيا، فليست هناك حالة من الإبداع، وذلك عكس ما كان يحدث في جيل عمالقة الغناء والتلحين حين كان الملحن عندما يختار الغناء يعرف قدراته جيدا، في الوقت الحالي لا يوجد ملحن يصلح لكي يكون مطربا إلا البعض القليل، ومنهم كاظم الساهر ومروان خوري اللذان نجحا كمطربين وملحنين.
أما الملحن فاروق الشرنوبي فله رأي آخر مختلف، حيث يرى أن الملحن الذي يمتلك صوتا جيدا ويتمتع بشخصية مستقلة من حقه الغناء ولا اعتراض عليه طالما لديه الموهبة، ويضيف الشرنوبي ساخرا وأعتقد أن غناء الملحن مهما كان، أفضل من غناء الراقصات اللاتي اتجهن أخيرا إلى الغناء.
ويرى الملحن رضا رجب أن اتجاه الملحنين الشباب إلى الغناء دليل على أنهم لا يتمتعون بأية خلفية ثقافية أو هوية محددة، ويرى أنهم «حرامية»، يقومون بسرقة الألحان القديمة ثم يعيدونها في شكل جديد، وهذا يتسبب في فساد الذوق العام وصدقوا أنفسهم واعتقدوا أنهم مطربون بجد، وهم في الأصل يبحثون عن الفلوس والشهرة.
وأشار رجب إلى أنه أصبح هناك مطرب لكل مواطن.
ويؤكد منير الوسيمي نقيب الموسيقيين أن من حق أي إنسان أن يغني طالما يمتلك موهبة الغناء، وبالتالي من حق الملحن الذي يمتلك موهبة الصوت أن ينقل نفسه من شعبة التلحين إلى شعبة الغناء، لكن بعد اجتيازه الاختبار المحدد في النقابة، ويرى الوسيمي أنه لا يصح أن ننقل أي ملحن إلى شعبة الغناء فقط لأنه يرى أن صوته جميل.
وأوضح مصطفى كامل وهو ملحن ومطرب وشاعر أنه دخل مجال الغناء بالصدفة، وأنه خاض هذه التجربة بهدف تحقيق نوع من الشهرة له كشاعر وليس كمطرب، وأنه يؤمن بأن الغناء أضاف له الكثير من الشهرة، وأشار إلى أنه خضع لاختبار النقابة على يد الراحل حسن أبو السعود وحلمي بكر وعفاف راضي ووافقوا على خوضه تجربة الغناء.
ويضيف أمير طعيمة: ومن وجهة نظري أن اقتحام الملحنين لمجال الغناء ليس بجديد، فهو شيء قديم، والمثال على ذلك محمد فوزي وعبد الوهاب وفريد الأطرش، وهذا وضع طبيعي جداً وطموح للوصول والتواجد مع الجمهور، ومن حق أي إنسان خوض أي تجربة وفي النهاية هو الذي يحصد ثمارها سواء كانت نجاحاً أو فشلاً ومواصفات المطرب الناجح تكمن في موهبته الصوتية بالإضافة إلى الشكل الجيد والأداء الرائع.
وعن تجربته مع الغناء قال الملحن رامي صبري: بالفعل بدأت كملحن ثم اتجهت للغناء لأنني وجدت لدّي كل إمكانيات المطرب المتميز مثل الصوت والأداء، وأيضاً أنا ملحن فاهم موسيقى جيداً.. ويضيف رامي أنه يحب الغناء ويحس بأنه عمل قريب جداً إلى قلبه ويهتم دائماً بإضافة كل جديد في ألبوماته الغنائية.
وعن كيفية خضوعه لاختبارات المطربين قال الملحن والمطرب محمد رحيم: أنا حاصل على بكالوريوس تربية موسيقية، وأعمل في مجال الموسيقى منذ 15 عاماً وأقوم بتقييم الأصوات، فكيف أخوض هذا الاختبار؟ وإذا طلب مني ذلك فلن أدخل أي لجنة اختبارات.
دبي ـ رشا عبد المنعم



