لا تقل الصورة أهمية عن الكلمة المكتوبة، بل ربما صارت أهم في التعبير عن أوجاع الناس وأحلامهم. ذاكرة التاريخ اعتمدت على النص المكتوب إلى جانب الحجر في النحت والعمارة، لكنها ظلت محرومة طويلاً من الصورة.

ويحتفل مهرجان دبي السينمائي الدولي في دورته الخامسة التي تنطلق مساء بعد غد الخميس الموافق 11 الجاري وتستمر حتى الثامن عشر منه، بالسنة الثالثة من مسابقة المهر للإبداع السينمائي العربي، ويدعو جمهور ومحبي السينما إلى متابعة الأفلام المعروضة ضمن المسابقة الرسمية لفئة الأفلام الوثائقية بطريقة أو بأخرى، وما ينتج عن المنفى والغربة والحرب والعولمة. وتشكل السينما في وقتنا الراهن أهمية بالغة في ترجمة هموم العصر ومشكلاته. وتمتاز الأفلام الوثائقية بحفظ الذاكرة التاريخية للشعوب، وما تواجهه في حياتها اليومية من تحديات ومصاعب، وما تقوم به من أعمال في عالم مضطرب، يعتمد على الصراع من أجل تحقيق مصالحه ومكتسباته.

وتختلف الأفلام الوثائقية اختلافاً جوهرياً عن الأفلام الروائية، وإن استمد كلاهما مفرداته من الواقع، حين يدخل الخيال كعنصر رئيسي في الأعمال الروائية، حيث يعيد الكاتب خلق الواقع، من خلال رؤيته له، مطلقاً لخياله العنان يصطنع وقائع وشخصيات، تكاد تشابه الواقع لكنها لا تتطابق معه، ويحدد مصائر شخصياته، ويدفع بهم درامياً، إلى ذلك المصير.. إنها إعادة بناء الواقع. أما الأفلام الوثائقية فهي تلك التي تأخذ مادتها من الواقع مباشرة من دون إعمال الخيال. ويعيد الفنان تنظيم وترتيب ذلك الواقع، وتلك المعطيات من خلال رؤيته الخاصة، والتي يريد للمشاهد أن يرى الواقع من خلالها، فالواقع دائماً متاح لكل الفنانين، لكن رؤاهم تختلف باختلاف قدراتهم وثقافتهم.

أهمية السينما الوثائقية تنبع من الحاجة إلى إعادة اكتشاف الواقع والتعرف عليه من خلال رؤية الفنان، بطريقة التصدير المباشر للحقائق الواقعية، أو بواسطة المحاكاة الدقيقة والأمينة لهذا الواقع، بهدف مخاطبة العقل أو الوجدان، وبغرض إثارة الرغبة في المعرفة والفهم الإنسانيين. وهنا يجب أن نذكر أن «الأرشيف» السينمائي، يمثل الشاهد التاريخي الحقيقي الذي يدخل في بناء الوثيقة السينمائية، والتي تشكل النسيج المتجانس لفكرة الفيلم. لأنه من المستحيل تحريف الحقيقة، إذا ما أردنا أن نصنع فيلماً وثائقياً يرتبط بالأحداث المهمة من التاريخ.

ومن ضمن الأفلام الوثائقية التي يعرضها المهرجان قصتان تؤكدان على أنه على الرغم من الفوضى الشاملة يُمكن للضحك والحب أنْ يزدهرا. في فيلم «حياة ما بعد السُّقوط» (155 دقيقة)، يرسمُ المخرج العراقي قاسم عبد صورة عن انطفاء الأمل وانحدار التفاؤل لدى العراقيين بعد انهيار النظام السابق. يسجّل عبد الكثير من الأحداث المؤلمة لمدينة مزّقتها الحرب، وفواصل متفائلة من حياة عائلته تعكس محاولاتهم مواصلة العيش رُغم أجواء الخوف والشك والكآبة.

وتقدِّم المخرجة المصرية إنجي واصف في فيلمها «مارينا الزَّبالين» (70 دقيقة)، فتاةً بسيطة وحيوية في الحادية عشرة من العمر، تعيش في قرية الزَّبالين التي يصلها يومياً ما يزيد على ألفي طن من القمامة، لتُخزَّن، أو يُعاد تدويرها، أو للتخلّص منها.

ويطلّ سمير عبد الله من خلال فيلم «بعد الحرب» على حرب صيف 2006 في لبنان من منظور استثنائي فريد، ليوثَّق إصرار وسعي مجموعة من الصحافيين على مقاومة الحصار الإسرائيلي بإصدار جريدة يومية.

وفي شريطه الأول «سمعان بالضيعة» (86 دقيقة)، يروي اللبناني سيمون الهبر حياة عمه الكهل، المقيم الوحيد في قرية «عين الحلزون» الصغيرة على تخوم بيروت، حيث يسلِّط الضوء على تأثيرات خمسة عشر عاماً من الحرب الأهلية اللبنانية على عدد كبير من القرى والبلدات التي تُركت مهجورة.

أما الجزائري مالك بن إسماعيل في فيلمه «ولو في الصين» (120 دقيقة)، فإنه يلقي الضوء على قرية صغيرة شهدت ميلاد الثورة الجزائرية. إنه يبحث عن قصص وحكايات تعيد إلى الذاكرة نضال الجزائريين الأوائل، من أجل تحديد معالم المستقبل، ويتعامل مع الحاضر الذي لا يزال معلّقاً بموروث الماضي.

وعبر فيلمها «أماكننا الممنوعة»، الذي أنجزته في ثلاث سنوات، تتتبّع ليلى كيلاني حياة أسر تتلمسُ طريق الحصول على حقوقها عبر «اللجنة المغربية للعدالة والمُصالحة» المعنية بالتحقيق في تورّط أجهزة الدولة في حوادث الخطف، واختفاء المعارضين السابقين.

أما فيلم المخرج حنّا مُصلح «ذاكرة الصُّبَّار: حكاية ثلاث قرى فلسطينية»؛ فهو يغوص في تاريخ القرى الثلاث التي دمّرتها واستأصلتها إسرائيل بالكامل في عام 1967، لتُنشئ على أنقاضها حديقة لمواطنيها.

ويفتح فيلم «مدينتان وسجن» للمخرجة سؤدد كعدان نافذة مُدهشة على المجتمع في سوريا ليتتبَّع جولة قامت بها فرقة مسرحية في مدينتين في العام 2008، حفَّزت من خلالها جمهور المشاهدين على مناقشة قضايا تخص موضوعات، تُعدّ من المُحرَّمات في المجتمع العربي، بعد ذلك تزور الفرقة سجناً، وتُشرك السجناء في عرض يروون فيه حكاياتهم وقصص حياتهم. ويخرج الفيلم برؤى مُثيرة حول سوريا المُعاصرة.

في «هذه الأيدي» يعرض المخرج المغربي حكيم بلعباس كيف تُتابع العولمة مسيرتها وتقدّمها دون أن تتمكن من نزع المجتمع المغربي من تقاليد وعادات قديمة ما تزال تُشكل جزءاً لا يتجزأ من نسيج الحياة المغربية.

وتحتل الصَّور الفوتوغرافية مساحة مهمة في استعادة الذاكرة وسرد التاريخ، حيث يؤرّخ فيلم «عدسات مفتوحة في العراق» للمخرجة العراقية ميسون باجه جي مشروع ورشة ساهمت به نساء عراقيات، وعرضن من خلاله يوميات حياتهنَّ. تعرض باجه جي بتركيز تجربة ومعاناة مُدير المشروع، الذي تعرَّض إلى مخاطر الموت والأذى الجسدي، خلال ترحاله في أرجاء العراق بحثاً عن المُشاركات في المشروع.

أما فيلم المخرج الفلسطيني عبد السلام شحادة «إلى أبي»، فهو عمل شخصي يلتفت إلى الوراء، ليُطلَّ عبر الصور الفوتوغرافية والريبورتاج، وأصوات المصوِّرين الفوتوغرافيين الذين عاشوا في فلسطين وسجّلوا ذاكرة الوجوه على مدى خمسين عاماً.

وتمتحن المخرجة السورية هالة العبدالله الثقافة والذاكرة والهُويَّة، عبر تخوم المنفى وحدوده الجغرافية، وتستعيد في شريطها الوثائقي الثاني «هيه! لا تنسي الكمون»( 66 دقيقة)، ذكريات ثلاث شخصيات عاشت المنفى والغربة وعانت منهما، رحلت اثنتان منهما، ولاتزال الثالثة تقاوم.

وفي «سامية» للسوري عمّار البيك تتقاطع تجربتان فلسطينيتان: رسامةٌ منفيةٌ مُستغرقةٌ في ذكريات حول بيتها ووطنها، وفتاةٌ شابة تعيش هناك.. اليوم.

المغربية ليلى النادر تُقدِّم في فيلمها الجريء «حبيت كتير» صورة صريحة، من خلال رواية «فاطمة»، عذاب ومأساة نساء مغربيات جرى استغلالهنَّ لتقديم المتعة للجنود المغاربة خلال الحرب الهندية - الصينية.

أما المصري سعد هنداوي فإنه يُعالج في «ملف خاص» موضوعاً شبه مُحرَّم وهو العلاقات المُعاصرة بين الذَّكر والأنثى.

دبي ـ أسامة عسل