حققت المسلسلات السورية المأخوذة عن أعمال أدبية نجاحاً كبيراً في العالم العربي، لأنها قدمت بشكل يحافظ على مضمون العمل الأدبي، مع مراعاة القالب الفني، وساعد في نجاح الأعمال قدرة الفنانين على تجسيد أدوارهم وإقناع المشاهدين الذين اطلعوا على الروايات، فوجدوا المسلسلات قريبة جدا مما كانوا قد تخيلوه.

وتعود الاستعانة بالأعمال الأدبية في الدراما التلفزيونية السورية إلى العام 1975،عندما أنتج التلفزيون خلال حقبة الأبيض والأسود، مسلسل «أسعد الوراق» المكون من سبع حلقات، وهو مأخوذ عن رواية «الله والفقر» للأديب الراحل صدقي إسماعيل، بينما كتب للتلفزيون المؤلف عبد العزيز هلال، الذي يعد واحداً من أهم كتاب الدراما السوريين، وأخرجه علاء الدين كوكش، ولعب دور البطولة فيه الفنان هاني الروماني، ومنى واصف، وملك سكر، وعلي الرواس، ويوسف حنا وغيرهم.

وأمام تلك الجديلة الشقراء التي ألهبت قلوب المشاهدين حينها، خرج الهامش المنسي إلى السطح، في حواري دمشق القديمة عبر قصة حب بين أسعد الوراق ومنى واصف، لكن الوراق كان مجنوناً، ويشبه أي مجنون في حواري دمشق، ورغم ذلك يأتي ذلك اليوم الذي يقتله فيه العسكر لينتهي المسلسل بصرخة أطلقتها منى واصف من عمق تاريخ القهر، قالت عنها: «إنها صرخة طبقة مسحوقة ثائرة في المجتمع».

وبعد مرور أكثر من أربعة وثلاثين عاماً على المسلسل تستعد شركة «عاج» للإنتاج الفني بالتعاون مع مؤسسة دبي للإعلام لإعادة إنجاز هذا العمل، ولكن برؤية جديدة قال عنها مدير الشركة هاني العشي: « نأمل من المسلسل الجديد، الذي سيخرجه رضوان شاهين، في تحقيق أهداف الرواية، ومقاربة مستواها الأدبي الرفيع».

ومن المسلسلات الأخرى يحضر بقوة عنوان «نهاية رجل شجاع» الذي قدم في العام 1993، وهو مأخوذ عن رواية للكاتب حنا مينة الذي قال ذات مرة: «حين يعدد الناس رواياتي التي قرأوها، لابد أن يتذكروا «نهاية رجل شجاع»، لكن الحقيقة أنهم شاهدوها على التلفزيون». والمسلسل من إنتاج شركة الشام الدولية للإنتاج الفني.

بينما كتب السيناريو والحوار حسن يوسف، وأخرجه نجدة أنزور، ولعب فيه دور البطولة أيمن زيدان، وسوزان نجم الدين، وفارس الحلو، ومنى واصف ويتحدث عن «مفيد الوحش» (أيمن زيدان) الذي يعمل في أحد الموانئ السورية، وكيف دفع حياته في نهاية المسلسل ثمناً لبطولته وشجاعته، بعد أحداث كثيرة تدل على عدم خضوعه للواقع المرير.

من الأدب الغربي

سجل «الدوغري» المأخوذ عن رواية «زوبك» رقماً جديداً في المسلسلات المقتبسة من الأدب، ولكن هذه المرة الكاتب ليس عربياً، بل هو الروائي التركي عزيز نيسين الذي استعان بأعماله كل من ياسر العظمة في بعض حلقات «مرايا»، وباسم ياخور في العديد من حلقات «بقعة ضوء».

وأدى بطولة «الدوغري» الفنان دريد لحام الذي يعيش في قرية يرمز من خلالها لكل ما تعيشه المجتمعات العربية، وهناك يستغل أهلها لتحقيق أهدافه في الوصول إلى السلطة، حين يمثل عليهم، بأنه ذو نفوذ وله معارف وأصدقاء في السلطة.

فيحاول جميع أهالي القرية الاقتراب منه لاعتقادهم بأنه سيساعدهم، ولكنه في الحقيقة لا يريد مساعدة أحد، بل يريد أن يدفع كل أهل القرية ليكنوا العداء من يقف في طريقه، بإقناعهم أن هذا الشخص يريد استغلالهم. شارك لحام في بطولة المسلسل كل من يوسف حنا، وجيانا عيد، وجمال سليمان، وأحمد عداس، بينما كتب السيناريو والحوار الدكتور رفيق الصبان، وتولى الإخراج هيثم حقي.

ويمكن القول إنه قدم الرواية برؤية جديدة تتناسب مع الجمهور العربي، في حين كان يعتقد نيسين الذي استوحت من رواياته مسلسلات تركية أيضاً «أن الروائي يكتب رواية، ويعيد إنتاجها في أعماله».

وفي مسلسل «حسيبة» بقي المخرج عزمي مصطفى أميناً على أحداث رواية تحمل الاسم ذاته للكاتب خيري الذهبي.

حيث يعود إلى عقود القرن الأول من القرن العشرين، لكنه لا يرسم مشهداً تاريخياً فحسب من خلال تصويره المجتمع الدمشقي عقب الثورة العربية الكبرى، بل يلتقط العصب الرئيسي الذي يحكم علاقات الأفراد ذكوراً ونساء، وهو دور المرأة التي تمثل الحياة وقدرتها على التفاؤل والحب والعطاء وإعادة ترميم ما تهدمه الحرب، وفي أجواء رومانسية درامية تجتمع قصص قديمة متجددة لشخصيات غنية بماضيها، وبينهم يبدو الرجال متصدعين وضائعين.

وتؤدي «حسيبة» خصوصا الوضوح الوجداني والعاطفي، الذي يحاول قدر الإمكان إضاءة الطريق أمام النفوس الضائعة الباحثة عن استقرارها، وكأنها تطارد مجهولاً في العتمة، وتتكثف قصص الحب والتمرد.

وتظهر تارة باسم صياح والد حسيبة الهارب بابنته من الحرب العالمية الأولى، لاجئاً إلى دمشق، وتارة أخرى باسم حمدان الذي يبدو للوهلة الأولى بطلاً حقيقياً من خلال قصة حب تعيشها خالدية التي تعاني من السأم واليأس، قبل أن يعلو في صدره نداء فلسطين.

فيتوجه إليها فدائياً وهناك يستشهد، ومرة ثالثة باسم فياض الصحافي العائد من فرنسا، ولكنه يقاوم جيوشها المحتلة لسوريا، وتقع حسيبة وابنتها الوحيدة في حبه، ومرة رابعة باسم هشام الذي تنتهي حياة جدته حسيبة مع هربه لكن الحياة تستمر.

والمسلسل أنتجته «الريف للإنتاج الفني» ومن بطولة أمل عرفة، وعبد المنعم عمايري، وفارس الحلو، وسعد مينة، وروعة ياسين وآخرين.

أبوظبي ـ عبير يونس