رغم مرور أكثر من نصف قرن على صدورها؛ لا تزال «ثلاثية» نجيب محفوظ من أجمل الأعمال الروائية والأدبية، التي تم إنتاجها في الدراما العربية. ونكاد نجزم أن الغالبية العظمى من الجمهور العادي، قد تعرف إلى محفوظ في تسعينات القرن الماضي من خلال الثلاثية: «بين القصرين»، و«قصر الشوق»، و«السكرية»، رغم أن هذه الروايات لا تعتبر من الناحية النقدية الأدبية البحتة الأفضل في المسيرة الطويلة لحامل نوبل للآداب، ولا يمكن مقارنتها بأعمال مثل: «رادوبيس»، و«زقاق المدق»، و«خان الخليلي»، و«السراب»، و«أولاد حارتنا»، و«الحرافيش»، و«ميرامار».

وإذا كان حظ محفوظ وافراً، بأن قدمت أعماله بصورة جميلة؛ إلا أن الصورة بدت معكوسة في العديد من أعمال الروائيين العرب الآخرين، وأدى ذلك إلى تشويه الصورة الأدبية الرائعة لبعض الأعمال حين أنتجت للمشاهد، مما أدى إلى حدوث جفوة بين النقد الفني الذي يتناول الدراما، والنقد الأدبي الحقيقي الذي يتناول الأعمال الروائية.. فهل كانت الدراما العربية على مستوى النص الروائي، وهل استطاعت هذه الدراما أن تكون أمينة في نقل صورة مطابقة للنص الأدبي للمشاهد العادي، أم أنها أسهمت في إمتاعه على حساب ثقافته، وأدخلت إليه جهلاً مركباً وعاملته بسذاجة؟ حين نعود إلى ثلاثية نجيب محفوظ كنموذج للأعمال الروائية، التي تحولت إلى مادة مرئية، فنجد أن الأفلام الثلاثة التي أخرجها المخرج الكبير حسن الإمام بمتوالية: «بين القصرين» عام 1964، و«قصر الشوق» عام 1967، و«السكرية» عام 1973، استطاعت من خلال عوامل عدة الولوج إلى قلب المشاهد العادي، ولعل أبرز العوامل التي استطاع من خلالها المحترف حسن الإمام السير بموازاة النص الأدبي لثلاثية محفوظ، هي المشهد الثقافي الراقي الذي كان يعيشه العاملون في الأفلام ذاتها من ممثلين وكادر تصوير وكتاب سيناريو.

فالأداء الرائع للممثل يحيى شاهين «سي السيد» ورفاقه من عمالقة الفن أمثال: صلاح قابيل، ونادية لطفي، وعبد المنعم إبراهيم، ونور الشريف ـ ظهر في الجزأين الثاني والثالث بشخصية كمال الابن الأصغر لسي السيد ـ أسهم إلى حد كبير في نجاح العمل الفني، وموازاته للنص الروائي. ولعل العامل الخفي الذي أسهم في نجاح تلك الثلاثية السينمائية ـ ونتحدث من الناحية الفنية الجماهيرية لا الأدبية ـ هي حرفية نجيب محفوظ ذاته في المشهد السينمائي حيث اشتغل على كتابة سيناريوهات عدة أفلام منذ الأربعينات، كان أولها فيلم «المنتقم» 1947م عن قصة إبراهيم عبود، وهو أول أفلام صلاح أبو سيف، واستمر التعاون بين محفوظ وأبو سيف في كتابة أفلام عدة، تركت بصمتها في المشهد الفني العربي إلى يومنا هذا.

وتستمر حكاية الثلاثية؛ بعد حصول محفوظ على جائزة نوبل 1988، فينبري السيناريست محسن زايد لكتابة الجزء الأول والثاني للثلاثية؛ فظهرت «بين القصرين» و«قصر الشوق» كمسلسل نهاية الثمانينات، وتم إنتاجه وتصويره في استوديوهات تلفزيون دبي. وللحقيقة فإن المسلسل استطاع أن يعيد نجيب محفوظ إلى المشاهد العادي، لا من خلال إخراج يوسف مرزوق؟ رغم إبداعه- ولا من خلال القصة ذاتها. حيث تم حذف بعض مقاطعها من النص الأصلي، بل من خلال الأداء الرائع لشخصية «سي السيد» الازدواجية التي أداها ببراعة الممثل الكبير محمود مرسي، أما باقي الشخصيات: ياسين الابن التي أداها صلاح السعدني، بطريقة مختلفة لما شاهدناه في أفلام الثلاثية.

حيث الشخصية الفكاهية المرتبطة بالفساد عبد المنعم إبراهيم الذي حفظ له المشاهد الستيني والسبعيني، عبارات عدة ظلت عالقة في الأذهان، وشخصية «الغازية» زنوبة التي لعبت دورها معالي زايد، رغم تمكنها من أداء هكذا أدوار، إلا أن تقمص الدور من النص الأصلي، لم يكن ببراعة الممثلة نادية لطفي في الدور ذاته بأفلام الثلاثية.

أما شخصية «أمينة» زوجة «سي السيد» الخاضعة لجبروت زوجها الحازم والتقي في البيت، والفاسد و«المنفلت» في بيوت «الغوازي»؛ أدتها بقوة الفنانة هدى سلطان، فظهرت بصورة المرأة والزوجة العربية الخانعة، التي لا هم لها سوى إطاعة زوجها وإرضائه.

كما برعت الفنانة مديحة حمدي ترافقها تيسير فهمي في أداء شخصيتي «خديجة» و«عائشة» ابنتي «سي السيد»، وقد ظلت شخصية «سي السيد» التي أبدع فيها محمود مرسي في أجزاء المسلسل عالقة في ذهن المشاهد العربي لسنوات طويلة، وكان لها تأثيرها الاجتماعي.

وكان نجيب محفوظ قد كشف في أحد حواراته؛ أن شخصية «سي السيد» مقتبسة عن شخصية حقيقية لجار لهم في القاهرة، اسمه «بشير» وهو من أصول شامية. بينما رأى الأديب المصري إداور الخراط أن معظم ما تحول من أعمال أدبية للشاشة، لم ينجح بالمعنى الفني، ويبدي حكمه على أفلام حسن الإمام بقوله: «قد تكون بعض هذه الأعمال نجحت في تشويق الجماهير، لكنها شوهت العمل الأدبي الأصلي.

والمثال الواضح على ذلك ما قدمه حسن الإمام وشوه نجيب محفوظ نهائيا، وأعطاه صورة غير التي يستشفها قارئ رواياته». والمثير للدهشة؛ هو فشل بعض الأعمال الدرامية، حين تحولت إلى نصوص مكتوبة، مثل رائعة الأديب أسامة أنور عكاشة «ليالي الحلمية» التي نشرها في كتاب فلم يجد النجاح الذي لاقاه المسلسل بل حصد الفشل في المبيعات.

ورغم أن الكاتب حسن يوسف في تحليله لهذه الظاهرة يقول: «إن للكلمة المطبوعة خصوصية، وكي يصبح المسلسل أدباً يتطلب ذلك معالجة خاصة»، إلا أن الحقيقة المرة تكمن بأن بعض الشعوب والأمم هي شعوب كسولة ولا تقرأ، وإن قرأت لا تفهم وإن فهمت لا تفعل شيئاً ؟ رغم قسوة هذه الكلمات الصادرة عن شخصية إسرائيلية- إلا أنها تطابق الحقيقة بنسبة كبيرة.

وقد حددت الكاتبة والصحافية السورية سعاد جروس ذلك بقولها: «لو حسبنا عدد الساعات التي أنفقها العرب في متابعة تلك المسلسلات قياساً إلى الوقت المبذول لمتابعة الإصدارات الحديثة، سنواجه واقع تحول الدراما ـ كفن يعتمد على الحكاية ـ إلى تعويض عن قراءة الأدب القصصي والروائي، رغم ما تشهده الرواية من فورة إنتاجية».

في هذا المجال أيضاً يقول الباحث الاجتماعي كنعان فهد: «لقد كان مصطلح الثقافة الجماهيرية يعني تقديم مجموعة مختارة من المعارف والعلوم والفنون، تساعد الجماهير على زيادة وعيها، غير أن هذا المصطلح صار يعني خلاف معناه تماماً، لخبث ما صارت تحتوي عليه الثقافة الجماهيرية، من فن هابط، وأدب مسطح، ومواد للتسلية مضيعة للوقت والعقل».

وفي ذلك يقول الروائي والسيناريست قمر الزمان علوش: «الدراما التلفزيونية باتت بديلة لكل أشكال الأدب الأخرى». بينما يرى الكاتب المصري أيمن الحكيم من جانبه أن أغلب الأعمال الأدبية تفقد جمالها، حين تتحول إلى أعمال فنية كمسلسلات درامية وأفلام.

ويؤكد الأديب بهاء طاهر أن تحويل الأعمال الروائية إلى درامية مفيدة للمشاهد مع إبداء تحفظه بالقول: «أعتقد أنها تفيد الأعمال الأدبية فائدة كبيرة بسبب الظاهرة المؤسفة التي نعيشها.

وهي ظاهرة أمية المتعلمين الذين لا يقرأون، وربما يتوقف الأمر على من يقوم بمعالجة هذه الأعمال دراميا سواء للتلفزيون أو للسينما، ومدى قدرته على استلهام الأفكار الأساسية في العمل الذي يعالجه».

وختاماً، ربما كان لتخلي القطاع الإنتاجي العام في معظم الدول العربية عن إنتاج الأعمال الدرامية، التي كانت تقتبس سابقاً من أشهر الروايات العالمية؛ عاملاً من عوامل الجهل المركب الذي يعيشه المشاهد العربي هذه الأيام.

أبوظبي ـ محمد الأنصاري