هل فرضت الحياة علينا نوعا معيناً من أنواع المعايدة التي أصبحنا نتقبلها شيئاً فشيئاً..ونتساءل هل الانشغال وتعقيد الحياة الذي يزداد يوماً بعد يوم يفرض علينا استخدام وسائل تقنية أو إلكترونية لمعايدة الأحبة، من خلال إرسال البطاقات الإلكترونية أو رسائل الهاتف النقال..متناسين تبادل الزيارات في العيد، كما هي العادات والتقاليد التي عرفناها في الماضي ؟

فالأمر إذن يختلف، لأن الزيارة فيها التقاء الأقارب والأحبة والأصدقاء على مائدة واحدة تجمعهم المحبة وصلة الرحم، وزيارة الأصدقاء تنقي القلوب وتطهر النفوس وتطفئ الضغائن.

وهذه الزيارة لابد أن تكون حين يسمح لك وقتك، وهي واجب عليك ما عدا أولئك الأحبة في الغربة، نبعث لهم بطاقات الحب من كل قلوبنا، ونقول لهم ولكم كل عام وأنتم بألف خير.

وفي هذا الإطار، تقول الطالبة الجامعية مريم عبد الرزاق الحجي: «إن الرسائل القصيرة «س.ح.س» التي يتبادلها الناس عبر هواتفهم النقالة، كشفت عن نشوء تغير في ثقافة المعايدة لدى شريحة كبيرة من الأفراد،ما بين من فضل البقاء على النمط التقليدي في رسائل المعايدة، وآخرون ابتدعوا أساليب أخرى بعيدة عن الطريقة الكلاسيكية..

ولا بد من القول إن هناك الكثير من هؤلاء الذين يحرصون كل الحرص على الابتعاد، عن كل ما له علاقة بالتقليدية في نظرهم كرسائل المعايدة، فبعد أن كانوا يكتفون بعبارة «كل عام وأنتم بخير» أو «عيد سعيد»، صاروا يعمدون إلى إدخال عبارات مصورة، أو صور تجسد فرحة قدوم مناسبة ما.

من جهته، يعبر الطالب الجامعي منذر عبد الله العلي عن رأيه بالموضوع قائلاً: حتى في إرسال رسائل المعايدة، يظهر بأن هناك شيئاً من استكثار هذا الأمر، كما جاء في إحدى رسائل المعايدة، التي خلط فيها صاحبها اللهجة المحلية بالفصحى، وطعمها ببعض المفردات المصرية. وجاء في الرسالة: «احترت أوفر 25 قرشا (في إشارة لقيمة الرسالة القصيرة)، وإلا أعايدك برسالة.

وبعد تردد طويل، وحسبة معقدة، وصراع مرير مع النفس، قدَرت أن الدنيا فانية، وما تساويش حاجة، والبخل وحش، ومحدش حياخذ معاه حاجة، كل عام وأنت بخير، (والعوض على الله)».

و يضيف العلي قائلاً: «بعض الناس استعانوا بأبيات شعرية، ولكن ليس لإيصال معايدته، بل ليعكس صورة من التشاؤمية التي تنتاب نفسه، كما في الرسالة «لا تعيِّد حتى ولو منحوك الفرح»، وهي رسالة تشاؤمية مستوحاة من قصيدة أمل دنقل الشاعر المصري الراحل، والتي جاءت بعنوان (لا تصالح حتى ولو منحوك الذهب).

وعلى الرغم من اعتراف الإعلامي أيوب يوسف باللجوء إلى الوسائل التكنولوجية الجديدة، إن اقتضت الحاجة لذلك،إلا أنه يرى أن أفضل الطرق للمعايدة هي الطريقة التقليدية المباشرة،والتي يرى فيها المرء الشخص الآخر وجهاً لوجه وتتحدث معه، وهي فرصة لتوثيق العلاقات الإنسانية الاجتماعية.

وتعتبر حمدة الكثيري (طالبة طب تدرس في الخارج) أن «الإيميل» حل لكل معوقات. وتقول: «شاءت الأقدار ألا أتواجد هذا العام مع أهلي في هذا العيد لانشغالي الشديد وقصر الإجازة أيضاً. ليس بمقدوري الاتصال بالجميع،فالأمر مكلف بالنسبة لي، وأعتقد بأن الحل الأمثل هو البطاقات الالكترونية، فهي توفر الوقت والمال والجهد،ناهيك عن أنها الأقل سعراً وتكلفة، إلا أنها الأسرع وصولاً، مقارنة بالبطاقات الورقية البريدية التي تستغرق الوقت الكثير».

«بكل الحب والحنان كل عام وأنت بخير».. بهذه العبارة اختتمت أم علي رسالتها التي بعثتها إلى ابنها الذي يدرس في كندا..و في هذا الإطار تقول: «إن بطاقة المعايدة التي بعثتها لابني تتطرق إلى أحوالنا وأخبارنا، وكما اعتدنا على الدوام نتواصل، عبر الرسائل ورسالتي هذه بعثت له ببطاقة معايدة مميزة، ولعل هذه الرسالة تخفف شيئاً من الغربة التي يعيشها».

ويستغرب مرشد المهيري (موظف في القطاع الخاص) المنافسة القائمة من الناس على إرسال «المسجات» خلال أيام العيد.. ويقول في هذا الصدد: «لا أدري هل صار الناس منشغلين لدرجة أنهم لا يمتلكون دقائق قليلة لإجراء اتصالات قصيرة، لتهنئة الأقارب والأصدقاء بالأعياد والمناسبات..

أم أن عصر السرعة الذي نعيشه يفرض علينا اللجوء إلى هذه الطريقة المركزة والفعالة على حد قول البعض؟ فلا يمكن أبداً أن أرجع أسباب لجوء أغلب الناس إلى التهنئة باستخدام المسجات إلى ضيق ذات اليد، فتكلفة الاتصالات في هذه الأيام صارت لا تذكر».

وتقول ماجدة الجروان (موظفة): مازلت «دقة قديمة» أفضل استخدام الطريقة التقليدية ورفع السماعة والاتصال بالشخص المراد تهنئته، فهي في نظري وسيلة أكثر دفئا من «مسج» بارد لم يكلف صاحبه نفسه حتى عناء كتابة كلماته، وإنما أغلب الظن أنه استقبل من شخص وأرسله إلى آخرين، مكتفياً بضغط زر «إعادة إرسال» لمن بعده.

لذلك عادة ما يختلط الحابل بالنابل، ويحصل أن يستلم الواحد منا المسج ذاته مكرراً من أكثر من شخص، حتى أنني صرت من كثرة المسجات التي تصلني أكتفي بقراءة الأسطر الأولى منها أو الأخيرة لمعرفة مرسلها، إذا لم يكن رقمه مخزناً في ذاكرة الهاتف!

دبي ـ جميلة إسماعيل