يعد مسلسل «نيران البوادي» الذي عرض أخيراً على التلفزيون الأردني أحدى ثمار التعاون الأردني الكويتي في مجال الإنتاج الدرامي، فهو من إنتاج الشركة الكويتية (فيّ) التي افتتحت مكتباً إقليميا لها في عمان، في خطوة ينظر إليها الوسط الفني الأردني، باعتبارها تدشيناً لمرحلة تجسد بشكل عملي تطور العلاقة الأردنية الكويتية عامة، والتي يشكل الإنتاج الدرامي احد مجالاتها، في حين يرى المتابعون للشأن الفني الأردني، انها مؤشر أيضاً على تعافي الإنتاج الدرامي، مما ألم به من تراجع خلال الأعوام الماضية هذا الموضوع وغيره، كان من بين المحاور التي تناولها اللقاء مع مخرج المسلسل محمد عايش الذي بدأ حديثه بلمحة حول المقولة التي تدور حولها أحداث المسلسل، وهي تعميق روح التسامح المتأصلة في شخصية أبناء العشائر.

وحول طبيعة قصة العمل والمحور الذي تدور حوله عوامل الصراع فيه يقول عايش: «الحكاية تدور حول أربع قبائل لها شيوخها وفرسانها الذين يدافعون عن مصالحها ونفوذها، وداخل كل قبيلة هناك حياتها وإشكالاتها الداخلية من جهة، ومن جهة أخرى لها صراعاتها ومصالحها التي تعبر عنها تحالفاً أو تناقضاً مع القبائل الأخرى، لكن الأحداث تتجه إلى تعميق قيمة الوحدة والتكاتف بين أبناء العشائر في مواجهة الأخطار الخارجية، التي تتمثل في المسلسل بمجموعات «المطاريد» وقطاع الطرق، وبهذا يكون العمل من هذا المنظور دعوة إلى الترابط والتكاتف والوحدة بين أبناء العشائر، وهذا هو مضمونه الفعلي».

ويستطرد عايش قائلاً: «إن العمل في الوقت ذاته، يستعرض نتائج الفرقة والتشتت التي تعمل العناصر الدخيلة على تعميقها واللعب على أوتارها.

كما يتضمن العمل أيضا قصة حب عميق ومتأصل، تعكس من خلال تفاصيلها النقيض الموضوعي، للشر المنفلت من كل عقال في شخصية المطاريد ودورهم.

الحركة والحوار

وحول الملاحظة القديمة الجديدة التي توجه من بين ملاحظات أخرى إلى الإنتاج البدوي، والمتمثلة بتغليب عنصر الحوار على بقية عناصر العمل الأخرى كالحركة والمؤثرات الصوتية وحتى الإضاءة والموسيقى ومحدودية أماكن التصوير، التي تعد نقيضاً للحياة في البرية الشاسعة، يقول عايش: «بالتأكيد لابد لكل عمل درامي من حوار، والأصح أن يكون للصورة والحركة حضور أكبر في مجال المسلسلات التلفزيونية، فالأصل في الحوار انه ينتمي لعالم المسرح.

ولكن في «نيران البوادي «هناك العديد من المشاهد التي اعتمدت على الحركة والتعليق عليها بصوت الفنان عمر العبداللات، الذي يقرأ أبياتا من الشعر تحدد سير الأحداث غير الحوارية، فالكثير من الأحداث في العلاقة العاطفية بين العبداللات والفنانة جومانة مراد التي تلعب دور المعشوقة نوف في العمل، وتعتمد على الحركة والتأمل الذي يعكس حالة هيام العاشق وعذاباته في هذه القصة».

الغناء بلا ربابة

من بين الآلات الموسيقية المعروفة في الأعمال البدوية التقليدية آلة الربابة، والتي كان يحتل فيها المغني دور الراوي في الأدب القديم، بينما قدم «نيران البوادي» للمرة الأولى الفنان الأردني عمر العبداللات، فكيف يرى عايش من منظوره كمخرج هذه التجربة، وهل استطاع الفنان العبداللات أن يندمج في خيوط العمل الأخرى، أم أن دوره يبدو مقحماً عليها؟

يبادرنا عايش بالقول: «العبداللات اشترك في هذا العمل كممثل لا كمطرب، أما صوته في العمل فهو صوت المعلق على الأحداث سواء في غناء شارة العمل أو في أحداثه».

ويلفت عايش إلى أن دور الفنان العبداللات كممثل كان في مستوى النجوم الذين اشترك معهم، فهو واحد من شيوخ العشائر وله دور رئيسي، حيث يتولى مهمة الاتصال بالعشائر وتوحيدها للقضاء على المطاريد «الدخلاء على العشائر»، وقد استطاع أن يكون نجما بين النجوم الأردنيين الذين عمل معهم في هذا العمل.

مدرسة واقعية

وتعليقا على الملاحظات التي رددها بعض النقاد حول الأعمال البدوية من جانب محدودية القضايا التي تثيرها، كالتركيز على الجانب العاطفي وقضية الثأر، وما يمكن تصنيفه في إطار الأحقاد الاجتماعية من مواضيع، حتى ان أي عمل لم يتصد لإشكالات الحياة البدوية الحقيقية الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية، في أبعادها المعاصرة، فنحن مثلا لم نشاهد عملا يتصدى لحياة البدو في الشتاء ؟

حول هذه الملاحظات، يجيب عايش قائلاً: «يستطيع المتابع للعمل أن يلاحظ انه أقرب إلى الحياة البدوية الحقيقية من الأعمال الأخرى، فموضوعه واقعي ومباشر وبعيد عن الفانتازيا التي أنتجت في إطارها أعمال كثيرة، كما انه بعيد عن التغريب. فعلى مستوى المكان، تجد ان البدو يعيشون في مناطق الشجر والماء الوفير والجبال العالية، وليس فقط في الصحراء الممتدة كما في الأعمال التقليدية».

ويستطرد عايش قائلا: «إن المسلسلات ليست توثيق لواقع البدو، بل هي تجميل لواقعهم وإظهاره بصورة لائقة على الشاشة العربية».

مقارنة وإسقاط

وفيما يتعلق بطبيعة التركيبة الاجتماعية المتداخلة في الأردن، والتي اعتاد المراقبون أن يصفوها بالنسيج، وما إذا كان يرى ان التركيز على فئة اجتماعية محددة ومعزولة عن بقية العناصر، يعد موقفاً بحد ذاته، قال عايش: «إن كل عمل درامي سواء كان بدوياً أم حديثاً أم تاريخياً، من الممكن ان يكون عرضة لعملية إسقاط اجتماعي أو سياسي على أي مجتمع في الوطن العربي، فلو وضعنا عشرة أشخاص في غرفة، وشاهدوا عملاً واحداً، لخرج كل منهم بانطباع مختلف، فكل شخص يمكن ان يفسر ما يراه كما يراه». ويختتم حديثه بالقول: «إن العمل يفترض أن يعبر عن التوافقية في الشكل والمضمون».

عمان ـ محمد أبو رحمة