تعاني صناعة الفيلم الوثائقي في العالم العربي من مشاكل وعقبات عديدة، لعل أهمها التهميش الذي تعرفه من قبل دور الإنتاج مقابل اهتمام مفرط بالفيلم الروائي الذي ظل دون منازع المهيمن على المشهد السينمائي العربي لأسباب عديدة.

فهناك عدم احترام للفيلم الوثائقي في عالمنا العربي، وهناك أيضا عدم تعويد للمشاهد على هذه النوعية من الأعمال، رغم اهتمامها عن قرب بواقع الإنسان وهمومه. وتتحمل القنوات التليفزيونية العربية العامة والخاصة المسؤولية كاملة عن تهميشها وعدم برمجتها على حساب أفلام روائية تفسد ذوقه ولا تفيده في شيء، ولنقارن بين الوثائقي في الغرب والوثائقي عندنا العرب، الفرق شاسع وكبير، إنهم يقدرون هذه النوعية ويهتمون بها لأنها صادقة أكثر ومخلصة للواقع وتعالج مواضيع حقيقية تنطلق من الإنسان وتتفاعل معه، واستطاعت خلال السنوات الماضية أن تنافس الأفلام الروائية، وتحصد جوائز لمهرجانات عالمية مثل فيلم مايكل مور عن أحداث 11 سبتمبر والذي حصل على جائزة مهرجان كان السينمائي عام 2005.

ومن بين المشاكل التي لا تزال تقف حجر عثرة أمام الأفلام التسجيلية «الوثائقية» أنها لا تعرض في قاعات السينما على غرار الأفلام الروائية، وبالتالي لا تحظى باهتمام المنتجين والممولين لأنه لا جمهور لها، ويحاول مهرجان دبي السينمائي الدولي من خلال دورته الخامسة، تقديم مجموعة متنوعة من الأعمال الوثائقية التي سجلت تميزا في أكثر من مهرجان دولي، منها «ثورة تشي» الذي يتناول في 86 دقيقة كيف تحولت صورة البطل الثوري تشي جيفارا إلى واحدة من أكثر الملصقات انتشارا في العالم؟ وفيلم «جوع» الذي يعرض في 96 دقيقة قصة مؤلمة تتناول إضراب «بوبي ساندرز» من الجيش الجمهوري الايرلندي عن الطعام لمدة 66 يوما، حتى لقي حتفه في سجن « بريتش ميز» عام 1981، مما سبب ضجة دولية. وفي برنامج الأفلام الوثائقية المتنافسة على «جوائز المهر للإبداع السينمائي الآسيوي ـ الإفريقي» والذي يضم ثلاثة عشر فيلماً تتناول موضوعات عالمية شاملة تتصلُ بالفنِّ، والحقيقة، والفقر، وتجاوز الماضي. يقدم المهرجان فيلمين يستكشفان الفنَّ من زاويتين مغايرتين، الأول بعنوان «بانتظار الرِّجال» ويروي قصة نسوةٌ في شرق الصَّحراء الموريتانية كرّسْنَ أنفسهنَّ لفنِّ الرَّسم عبر تزيين جدران المدينة.

والفيلم الثاني بعنوان «مُربَّع عارف» للمخرج نادر داوودي الذي استوحى قصته من سائق تاكسي إيراني يحلم بلقاء مثله الأعلى مُغني «البوب» الإيراني «عارف» الذي عاش في مرحلة ما قبل الثورة، ليُغنِّي معه. قرر المخرج مُساعدة سائق التاكسي على تحقيق هذا الحلم. أما فيلم «ذهبنا إلى بلاد المرح»، فيروي قصة زوجين عجوزين من الصين يقرران الذهاب برحلة للمرة الأولى إلى المملكة المتحدة وأوروبا، توثق هذه الرحلة ابنتهما المُخرجة زياولو غو، التي تمزج عاطفة الابنة بعين حريصة على إبراز أشكال التعارض، والتنافر، والغرائب التي انبثقت عن هذه الرِّحلة.

أما الحقائق والأكاذيب التي تتكتم عنها العائلات والمجتمعات، فإنها تتكشَّف في أفلام عدة من بينها فيلم «المرأة المنسية» الذي يصور رحلة «ديليب مهتا»، شقيق السينمائية المتميِّزة «ديبا ميهتا»، إلى «فاراناسي» ليستكشف كيف تتنكر العائلات الفقيرة للأرامل من النساء، وكيف يمتن بسبب الفقر والإهمال والنسيان. أما الفيلم الوثائقي «تجارة سوداء»، آخر أفلام المخرجة «اوسفالد ليوات» الحائزة على جوائز عديدة، فإنه يُسلِّط الضوء على العائلات الكاميرونية التي فقدت أبناءها على يد «وحدة العمليات العسكرية» المُرعبة.

وهي وحدة عسكرية خاصة تضمُّ عناصر عمليات مُدرَّبة قتلت ما يزيد على ألف شخص في عام واحد. وفي فيلمه الوثائقي «زهرة الجدَّة» يرحل السينمائي «جيونغ-هيون مون» صوب أشد فصول التاريخ الكوري الجنوبي سواداً وقت الاضطراب السياسي المفروض بالقوَّة، والعداء والتناحر ثم التصالح بين العائلات. وفي الحقيقة ستنكشف، قضايا ضد «سوبينيا كلانغنارونغ» يُرافق المخرج «بيمباكا تويرا» الصحافية المرموقة «سوبينيا» التي تُواجه مُحاكمة كُبرى بسبب مقالة كتبتها عن تضارب المصالح في الشؤون الحكومية.

وتُقدِّم الصِّين دراسة واقعية عن الخيارات الصَّعبة التي يُواجهها فقراء الريف الصيني في وثائقي للمخرج «غوانغي يو» الواقعي الاشتراكي البارع بعنوان «أغنية النَّجاة»، في حين يقدم «جيانجون هي» فيلم «نهر البشر» الذي يروي قصة أسرتين مُعدمتين تُجسِّدان واقع ملايين الأسر الصامتة التي همَّشها النمو الاقتصادي في الصين. وبتوثيق الأحلام المُعاكسة، والطموحات الواثقة التي تملأ نفس ولدين يعرض المخرج على نحو فنيِّ بارع، المجادلات والمناقشات الدائرة حول التحوُّل الزلزالي الناجم عن التصنيع شديد التسارع الذي يغمر الصين، فيعرض الآراء المؤيّدة والمعارضة على حد سواء.

أما «أكثر من مجرد لعبة» فيتعقَّب مؤسسي «نادي ماكانا لكرة القدم»، الخاص بالسجناء االمعتقلين في سجن جزيرة روبن في إفريقيا الجنوبية، في محاولة لإلقاء الضوء على أهمية الرياضة وما تولده عند الأفراد من شعور باحترام الذات والثقة. ويتفحَّص المخرج «فرانسوا فيرستر» نتائج التكامل الاجتماعي، ووجهات النظر السياسية المتعددة التي لا تزال تحكم الحياة في جنوب إفريقيا وتهيمن عليها، وذلك في «أيام لقاءات البحر» مُستخدماً متنزها على شاطئ كيب تاون كاستعارة تُجسِّد مجتمع بعد التفرقة العنصرية.

ويتضمّن البرنامج فيلمين وثائقيين عن الأمراض العقلية وعواقبها، الأول بعنوان «جنون» للمخرج «كازوهيرو صودا» الذي يروي بكل صدق معاناة مرضى يخضعون للعلاج في المصح العقلي «كورال أوكاياما» في اليابان. أما فيلم «أخوات على حافة الطريق»، فيحكي قصة المغنية التركية الفقيرة «إليف كاجلايان»، التي كانت تعمل في أحد النوادي الليلية.

روت «إليف» قصّتها لصديقة طفولتها المخرجة «ياسمين الكايا». وفي سياق الفيلم، تستكشف ياسمين خيار «إليف» في التخلِّي عن أختيها المريضتين عقلياً، واللتين أُودِعتا في مصحة للأمراض العقلية. وتبلغ المشاهد العاطفية ذروتها في مشهد التئام شمل إليف مع أختيها.

دبي ـ أسامة عسل