وقع الأديب والشاعر الإماراتي محمد صالح القرق كتاب «عمر الخيام» الذي ترجمه من اللغة الفارسية إلى العربية، وهي الترجمة الثالثة والعشرون في الترجمات العربية عن اللغة الفارسية.
وترافق حفل التوقيع الذي احتضنه مقر ندوة الثقافة والعلوم في دبي مع ندوة تحدث فيها كل من الدكتور عمر عبد العزيز مدير تحرير مجلة «الرافد» الثقافية والأديب محمد المر نائب رئيس هيئة دبي للثقافة والفنون الذي أثنى على الترجمة، وتناول فيها عمر الخيام كعالم وشاعر وفضله الكبير في ميدان الرياضيات والأدب، بينما ألقى الدكتور عبد العزيز الأضواء على العمل المبدع للكاتب والأديب محمد صالح القرق. ووصف محمد المر الترجمة التي أنجزها محمد صالح القرق لرباعيات الخيام بأنها قطعة أدبية بالغة الجمال، معتبراً أن جانباً من عظمة الخيام، تتمثل في أنه وارث لتراث فلسفي وعلمي وأدبي كبير. وأضاف قائلاً:» إن الخيام جاء في القرن الخامس عشر وسبقه لمجال الرياضيات أعلام كثر منهم الخوارزمي وآخرون، وفي مجال الطب والفلسفة أمثال ابن سينا وغيره وفي مجال الأدب، كانت هناك قامات رفيعة كثيرة، أما هو فقد جاء تتويجاً لنتاج فلسفي ومعرفي وأدبي عظيم في القرون الإسلامية الأربعة التي سبقته.
وهو عاش أيضاً في ظلال إمبراطورية عملاقة، هي الدولة السلجوقية، التي كانت تمتد من تخوم الصين حتى القسطنطينية والجزيرة العربية وأفغانستان وبلاد فارس. وكان السلاجقة يضرب بهم المثل في التنظيم وحسن الإدارة والسيطرة الأمنية، وكانت هذه الدولة في أعظم امتداداتها، حتى قيل إن المسافر كان يرتحل من بلاد ما وراء النهر إلى مكة من دون الحاجة إلى حراسة. ويدل ذلك على الهيبة التي كانت تتمتع بها تلك الدولة في ذلك العصر». وتابع المر حديثه قائلاً:» «لقد عرف عن الخيام أنه عالم رياضي أكثر منه أديباً أو شاعراً، وكان أحضر إلى أصفهان، ليكون في خدمة الوزير نظام الملك في إصلاح التقويم، الذي كان سائداً في تلك الحقبة الزمنية، كما أسهم في الكثير من الدراسات الفلكية، وطور التقويم الجلالي حتى قيل إن تقويمه تفوق على التقويم الغريغوري الغربي. وبعد تعرضه للكثير من الدسائس، توجه إلى مكة لأداء فريضة الحج، وعاد ليقيم في نيسابور، وتوفي وكان في الثمانين من عمره».
ونقل المر عن بعض المؤرخين إن الرباعيات لم تذكر سوى بعد مرور 200 عام على وفاته، مشيراً إلى أن الخيام لم يعرف كشاعر بل كعالم في الأمور البرهانية والعقلية. ولم تشتهر الرباعيات عالمياً إلا بعد أن ترجمها فيتزجيرالد في القرن التاسع عشر، وأثار بترجمته الكثير من الجدل واللغط على الرباعيات، والتشكيك بأن تكون الرباعيات من نظمه، وفي أعقاب ذلك جاءت الكثير من الدراسات النقدية، التي بينت على أن الرباعيات أثارت الكثير من الشكوك والتفاعلات الوجدانية. ولم يكن ذلك الشعور والفكر سوى انعكاساً لواقع الحال في تلك الحقيبة، التي شهدت تراجعاً لهيبة الدولة العباسية، التي خلفها الكثير من الدويلات والإمارات الهشة.
وأوضح المر في حديثه أنه في ظل هذه الأجواء نمت الأحقاد والدسائس، وتفشت الاضطرابات السياسية. مشيراً إلى أنه في خضم تلك التغيرات السياسية والاجتماعية، جاء الخيام المثقف ليعيش محنة حقيقية دفعته للشعور بالقلق السياسي وحتى شعر بتهديد في وجوده. وترجم الخيام كل تلك الإرهاصات في أشعاره التي عكست واقعا مؤلماً لم يرحمه هو نفسه.
وأشار المر عكست ترجمات رباعيات عمر الخيام عصوراً مختلفة، وتأثرت بالفترات التي ترجمت فيها. ويعني ذلك أنه عندما ترجم فيتزجيرالد رباعيات عمر الخيام، عكست الترجمة روح العصر الفيكتوري الذي كان يعيش فيه. ومن الناحية العملية فإن نقل عمل أدبي إلى آخر، كان لا بد أن يعكس الظروف المعاشة، سواء كانت اجتماعية أم حضارية، وكل ما يمس باللغة من صلة.
وقال المر: «إن محمد صالح القرق ينتمي في الأصل إلى أسرة عاشقة للكتب، فوالده رحمه الله أول من أنشأ في الإمارات، مكتبة لبيع الكتب والمجلات، وكل الوسائل المعرفية. وكان والده عاشق للكتاب من الطراز الأول، ولديه اهتمام كبير بالكتب والمجلات. وفي هذه الأجواء نشأ الأستاذ محمد، ولكن على الرغم من شح الكتب والمواد الثقافية عموماً، إلا أنه كان متعطشا للقراءة ونهل العلم.
وفي تلك الحقبة استعر الانكباب على القراءة بصورة غير مسبوقة، بين نخبة كبيرة من أبناء الطبقة الوسطى. وحرص كل هؤلاء على الحصول على المطبوعات والكتب سواء كان مصدرها الهند أو الشرق العربي وبلاد الشام. وكان هؤلاء الشبان يتابعون الإرهاصات في الوطن العربي والعالم عموما خلال الخمسينات والستينات.
وتابع هؤلاء الشبان عن كثب ظهور حركات التحرر الوطني، وتكون الدول العربية المعاصرة والطموحات التي كانت تحرك الساحة العربية، لجهة تحقيق الوحدة العربية، فضلا عن بعث الأمة العربية وتخلصها من المثبطات سواء جاءت من المستعمر الذي كان يحتل المنطقة العربية أو من الداخل. ولم تكن الأوضاع في الوطن العربي في تلك الحقبة من تاريخ الأمة، سوى تراكما لمراحل طويلة من التخلف التي مضت عليها عقود طويلة».
وأضاف المر قائلاً:» كان صالح القرق ضمن تلك الكوكبة من المهتمين بشؤون الثقافة ومن المتعطشين لنهل العلم. وعلى الرغم من أن التعليم الأكاديمي كان محدوداً، فإن محمد القرق كان أنموذجاً من النماذج الساطعة فضلاً عن الأديب عبد الغفار حسين، وكان جل جهدهم يعتمد على الذات.
وحرصت تلك الكوكبة على الإطلاع، ليس على الأدب فقط، بل امتد اهتمامهم إلى القراءة في التاريخ والسير الذاتية والسير العامة وكتب الفقه واللغة، وكل ما تقع أيديهم عليهم من فكر وعلوم ومعرفة. وهو التعطش الذي يفتقر إليه أبناء الجيل المعاصر في الدولة على الرغم من تطور وسائل نقل المعلومات بصورة مذهلة، وياليت شبابنا لديهم ولو بنسبة 10 في المائة ذاك الشوق المعرفي».
ونوه المر في حديثه إلى إجلال القرق لنص الخيام هذه العبقرية العالمية الكبيرة. مؤكداً أن ذلك جعله يتردد كثيراً في ترجمة تلك النصوص الأدبية العظيمة، كما في نشر تلك النصوص، خاصة وأن هناك أساتذة أصحاب قامات أدبية عظيمة سبقوه في ترجمة رباعيات الخيام، سواء كانت من الإنجليزية أم الفارسية.
دبي ـ محمد نبيل سبرطلي



