في ذلك المكان لا تبدو الصورة كما هي عليها في أماكن أخرى كثيرة، في ذلك المكان لا صوت يعلو فوق بهيج المتعة والجدية والشموخ، وفي ذلك المكان يطير الجميع فرحاً ممزوجاً بصهيل خيل يعانق السماء، الصورة تبدو مؤطّرة بألوان زاهية من الجمال والطموح والقوة والمثابرة، وبالتأكيد هي أجمل بكثير مما هو موجود في «مولات» الحداثة المنتشرة في كل مكان، ـ هكذا أجمع فرسان هذه الصورة ـ، وربما واقعهم يصدق رؤيتهم تلك.

قبيل مغيب الشمس ضج المكان، الذي يدعى النادي الأهلي للفروسية في دبي، برواده الأعضاء.. عشرات الشباب والفتيات والأطفال والعائلات تناثروا في مختلف أرجاء وفراغات النادي، والشمس من خلفهم تنزلق إلى المجهول، فيما أعين الجميع مشدودة إلى متعة تتمايل فوق سروج خيل تطيع أصحابها إلى الحد الذي يرسخ في أدمغتهم متعة لا تفارقهم لأيام أو أسابيع وربما أكثر، كيف لا وهم على الأقل يُعدون من قبيل واقعهم فرسان يتقنون فن قيادة الخيل.

«الحواس الخمس» جال في النادي الأهلي للفروسية، وتابع فعاليات التدريب الموزعة على ثلاث مجموعات داخلية وأخرى خارجية في مضمار سباق القدرة، وتنقل متأملاً صولات وجولات الفرسان المتدربين في كل اتجاه، بعد أن اطلع على تفاصيل عمل النادي من خلال مديره الفارس «المخضرم» راشد سهيل الدربي. مدير النادي الأهلي للفروسية قال إن النادي تأسس في العام 1998، وهو يُعنى بتدريب الفروسية بكافة تفاصيلها وتفرعاتها، سواء كانت قفز الحواجز أو سباقات القدرة أو ترويض الخيل «الدراساج» أو إدارة الإسطبلات أو غيرها، ويهتم النادي أيضاً بتوفير تدريب آمن ومفيد وملبي لرغبات الجمهور دون النظر إلى عمر أو لون أو جنس أو جنسية، فهو مكان يفتح ذراعيه للجميع، ويقدم خدمات بالشكل الذي يناسب مختلف شرائح المجتمع، في فترتي تدريب صباحية ومسائية.

الدربي اهتم في بداية حديثه بإبراز المكانة التي تتفرد بها الخيل تاريخياً وإسلامياً وضمن الواقع الحديث، مستشهداً بأحاديث ومقولات إسلامية، حيث جاء في الحديث الشريف «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة»، و«اركبوا الخيل فإنها إرث أبيكم إسماعيل»، إضافة إلى المقولة المشهورة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه «علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل»، وتلك الشهادات كفيلة بأن تحفظ للخيل مكانة هي الأعلى والأرفع، كما يقول مدير النادي. الدربي أكد في حديثه أن ركوب الخيل فيه عز وشموخ، يجسد الإثارة والحماسة، وهو ممارسة تنشط دماغ الفارس وتزيد من سرعة البديهة لديه، مشيراً إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، تحدث في كتاب «رؤيتي» عن تفاصيل كثيرة تتعلق بالخيل والفروسية، وصوَّر الحياة في منطق الخيل، فالخيل حاضنة الرجولة، تعلم فارسها الصبر والإصرار والإقدام والاحترام والتواضع والشهامة والأصالة، وتمنح قائدها لقب «الفارس»، وهي كلمة تطرب الآذان على سماعها في كل بقعة من العالم.

راشد الدربي الذي مارس الفروسية منذ العام 1983 حتى غدا محترفاً يصنع كل يوم احترافاً لغيره من عشاق صهوة الفروسية، أوضح أن النادي يعمل برؤية رياضية مختلفة ومنفردة، لكنه يبقى تحت مظلة النادي الأهلي من حيث المسمى، وهو يعد من العناوين الأفضل في مجال التدريب على ركوب الخيل، من حيث الترتيب الداخلي والنظام المتبع، رغم وجود عدد كبير من الأندية في هذا المجال.

وأضاف أن النادي الأهلي يوفر 63 خيلاً مدربة ومجهزة لمدارس تعليم الفروسية، ويبلغ عدد الأعضاء المسجلين للتدريب منذ مطلع العام 2008 نحو 3 آلاف شخص، 40 منهم من الأطفال ذكوراً وإناثاً، و50% من الفتيات، و10 من الشباب، بواقع 60 متدرباً في اليوم الواحد، ويتولى تدريب المنتسبين للمدرسة 4 مدربين مؤهلين، ناهيك عن الخيل العربية الأصيلة والمهجنة التي تبدو مطيعة إلى الحد الأبعد، لا سيما في تعامل الأطفال والصغار معها.

الأهم من ذلك أن نادي الفروسية، ينفذ من خلال المدربين والقائمين عليه برنامجاً تدريبياً نظرياً وعملياً، وكأنه أكاديمية مصغرة توفر «كورسات» ومستويات مختلفة، وبعد كل كورس يختبر المتدرب في تعامله مع الخيل أو في الإسطبلات أو في سباقات القدرة وقفز الحواجز، مع تقييم موضوعي لواقعه وأخذ قرار انتقاله للمراحل اللاحقة أو إعادة الكورس مرة أخرى، وفي النهاية يقدم النادي لمنتسبيه شهادات تقر بمهارات الفروسية التي تعلمها الفارس.

راشد الدربي الفارس الذي لا يزال يتألق في مختلف السباقات المحلية أو الإقليمية، والذي يملك عشرات الخيول الأصيلة، وقد أجاد التعامل مع الخيل في الإمارات والدول العربية والخليجية والأوروبية، يصر على التواجد يومياً في النادي الأهلي، يتابع برنامج التدريب بنفسه، يتفقد الخيل ويطمأن عليها، يكون أول الواصلين إلى النادي وآخر المغادرين، ولا يعرف للإجازة الأسبوعية معنى، حيث لا يترك عمله إلا في حال وجد سباق يتوجه إليه من باب المنافسة كأحد فرسان الإمارات ثم يعود ثانية مشرفاً ومدرباً ومديراً.

دبي ـ عنان كتانة