تدهش الجميع التفاصيل الصغيرة حينما تكون ذات معنى ومغزى، تماما مثل بريق الفرحة بالإنجاز الكبير، ولفتة ذكية أن تجعل إدارة مهرجان دبي السينمائي الدولي، من دورته الخامسة في الفترة من 11 إلى 18 ديسمبر المقبل، حدثا استثنائيا، جمع التفاصيل الصغيرة الكثير، وجعلها تتسابق مع انجازاته الكبيرة، تتألق جنبا إلى جنب مع نجومه وضيوفه على سجادته الحمراء المرعبة.
طوال الشهور والأيام الماضية، فرض طاقم العمل في المهرجان ستارا من السرية التامة على كل ما يخص الدورة المقبلة.. كانت حواراتهم ومؤتمراتهم الصحافية وأخبارهم المرسلة لكل وسائل الإعلام مقتضبة، ولا يستطيع احد أن يعرف ما الذي لديهم وماذا يدور في عقولهم، وما الجديد الذي سيفاجئوننا به، وهو دوما متوقع قبل انطلاق المهرجان بسويعات وخلال فعالياته.
«الحواس الخمس» دخل «مطبخ» دبي السينمائي، وجمع بين عبد الحميد جمعة رئيس المهرجان ومسعود أمر الله المدير الفني، وفي لقاء استمر ساعتين، رسما معا ملاح كل شيء إداريا وفنيا، وكانت إجاباتهما مرضية للجميع، تماما كما يقول المثل الإنجليزي الشهير: «أصحاب العقول الكبيرة يناقشون الأفكار، وأصحاب العقول المتوسطة يناقشون الأحداث، وأصحاب العقول الصغيرة يناقشون الأشخاص».
في السطور التالية، نقرأ ونتابع ما حققه التفاني والانضباط والحب من نجاحات جعلت من دبي مضيئة من المحيط إلى الخليج، خلال أسبوع تتزين فيه السينما بأبهى حلة.
رصدنا هذه المشاعر وعشنا الأفكار في أسئلة وإجابات متتالية نقلناها لكم دون حذف أو إضافة، وكانت على النحو التالي:
هناك منافسة ساخنة واضحة وملموسة بين المهرجانات السينمائية العربية هذا العام وأخذت شكلين أساسيين، الأول زيادة القيمة المالية للجوائز لإغراء الأفلام وأصحابها، الثاني الاستحواذ على نسبة عالية من الأعمال الجديدة، ويأتي مهرجان دبي السينمائي في نهاية هذه المهرجانات من حيث الميعاد، فما الذي يجعله مختلفا ويحافظ على مكانته؟
عبد الحميد جمعة: هناك لبس في معنى ماذا تعني جوائز في مهرجان، وهناك أيضا تركيز فقط على القيمة المادية لهذه الجوائز، والتي من المفروض أن تكون احدى القوائم في أهمية هذه الجوائز، التي لها أكثر من أهمية، أولها: هناك مهرجانات عديدة وصاحب الفيلم يعطي عمله لمهرجان يقدم أشياء كثيرة منها أن يعرض لشريحة كبيرة من الجمهور، أن يلعب هذا المهرجان دورا في ذهاب فيلمه لمهرجان آخر، أو إلى سوق أخرى، أو يأخذ فرصة في الشراء من قبل موزع آخر في بلد آخر داخل المنطقة العربية وخارجها.
ويأتي إلى جوار هذه العناصر أن يدخل عمله في مسابقة لها سمعتها من حيث أهميتها ومنافساتها ولجان تحكيمها التي تتكون من أعضاء معروفين عالميا على المستوى السينمائي، ثم تأتي أخيرا قيمتها المادية بجوار القيمة الرمزية لرأس «جائزة المهر»، ومن يقدم له هذه الجائزة من نجوم العالم، ولها قيمة معروفة للعاملين في هذا المجال، ومن هنا نقول إن مهرجان دبي لا يعتمد فقط على القيمة المادية لجوائزه، بل كل هذه العناصر دفعة واحدة وفي منظومة متكاملة.
ومن ثم ليس غريبا أن نقول إننا نتميز في هذه الدورة بـ 19 فيلما في عرض أول عالمي، مقارنة بالدورة الأولى التي قدمنا فيها فيلما واحدا في عرض أول عالمي، وبالتالي عرف أصحاب الأفلام أي مهرجان يمكن أن يحقق لهم رغبتهم في الذهاب للجهة والمكان الذي يريدونه.
وبخلاف كل ذلك هناك العلاقة الشخصية والمحترمة بين المهرجان والمتمثلة في مديره الفني مسعود أمر الله، والعاملين في هذا المجال من مخرجين وممثلين ومنتجين وموزعين، تكونت بتراكم السنين بحكم عمله كمخرج وناقد سينمائي وعضو تحكيم في أكثر من مهرجان دولي، ولعلاقة الصداقة والاحترام استطاع مسعود أن يستقطب نخبة من الأعمال والضيوف تدعم دائما فعاليات مهرجان دبي، والتي بدونه يخسر المهرجان الكثير.
ما الذي يميز مهرجان دبي السينمائي، في ظل تنافس أكثر من خمسة مهرجانات عربية أخرى تقام في ثلاثة أشهر متعاقبة، يضاف لها لاحقا في 2009 مهرجان الدوحة والذي يسبق أيضا في ميعاده مهرجان دبي؟
مسعود أمر الله: أعتقد بشكل أساسي أن كل مهرجان له صيغة وفهم وتوجه معين، ومن أول دورة تبني مهرجان دبي شعار أن يكون هو الجسر الثقافي بين الشرق بما يعني السينما العربية والغرب بما يعني السينما الدولية، وبهذا الشعار كان يفكر بتحقيق معادلة واحدة هي توصيل الفيلم العربي للغرب.
وإعطاء الفرصة لصانعيه أن يكونوا متواجدين في مهرجان دولي له سمعته الدولية والعربية، وجاء إطلاق مهرجان دبي لأول مسابقة للسينما العربية فريدة من نوعها، لأنه في تاريخ الوطن العربي داخله وليس خارجه، لم يكن هناك أي توجه لمثل هذه المسابقة إلا في دورة واحده لمهرجان البحرين الذي توقف ولم يكمل المسيرة،.
ولسنوات طويلة ظلت السينما العربية غائبة وظل مصداقية صانع الفيلم العربي مع أي مهرجان مشوشة، لأنه لم يكن هناك بيئة تحتضنه وتوصله إلى جمهور عربي واسع وإلى المهرجانات الأخرى العربية والعالمية، وعندما نفتح الباب للسينما العربية من خلال مسابقة، فنحن نركز عليها بشكل واضح وملفت وذلك لاهتمام النقاد والصحافة والمهتمين بها، ومن هنا يدرك صانع الفيلم أين هو المكان الأنسب الذي يذهب بعمله إليه.
وأين يفتتحه ويعرضه وما هو المردود الذي سوف يحصل عليه، صحيح هناك مهرجانات عربية كثيرة ولكن في إطار المسابقة العربية، أعتقد أن دبي ستبقى مختلفة عن المهرجانات الأخرى، لأنه ليست هناك مهرجانات عربية متخصصة في ظل التنافس الموجود حاليا، وبالتالي أرى أنه ليس هناك تنافس عربي عربي، بقدر ما هو تنافس بين المهرجانات في استقطاب الأفلام والأسماء، أما مسألة الجوائز فهي متفاوتة في التقييم.
والمهرجانات العربية الأخرى التي تعنيها هي مهرجانات دولية، وهناك فرق بين جوائز مهرجان دولي وعربي، ومهرجان دبي منذ دورته الأولى في المسابقة إلى اليوم، ظل مبلغ الجائزة التي أعلنها ثابت ولم يتغير.
ولو رجعت للذاكرة ستجد أن البعض في الدورة الأولى انتقد أن المهرجان يعطي أموالا كثيرة، وهذا تفسير خاطئ، لأنه عندما رصد مهرجان دبي هذه الجائزة كان يعني من خلالها احترام المبدع العربي وتقييمه بما يستحقه، فالجوائز تنعكس على صانع الفيلم العربي نفسه، كما أن مهرجان دبي على عكس كثير من المهرجانات يعطي الجائزة ويخصصها للمخرج وهو بذلك يحترم الإبداع بالدرجة الأولى.
دبي ـ أسامة عسل
