تغييرات وطفرات هائلة تحدث في دبي، من الضروري أن تنعكس على مهرجانها السينمائي وعمله وطموحاته، فالجميع بلا استثناء ـ سينمائيين وجمهوراً ـ ينتظرون من المهرجان في دورته الخامسة (انجازات) تليق بالمدينة التي يمثلها، وتليق أيضا بما حققه من مكاسب على مدار دوراته الأربع السابقة.
وهذا شيء ليس سهلاً ويحمل في طياته الكثير من المشاكل، وبعض العراقيل التي تحمل من المدلولات علامات استفهام يجب توضيحها والإجابة عنها بوعي وفهم وإدراك.من المؤكد أن الدورة المقبلة لن تمر مرور الكرام، ولا يمكن أن يتجاهل أحد ما أحدثه مهرجان دبي السينمائي الدولي علي ساحة المهرجانات السينمائية العربية، التي كانت تعاني من ضعف عام في شكلها ومضمونها، حيث كرس من الدورة الأولي شعار (بناء الجسور بين الثقافات)، وجعل من فن السينما وسيلة مثالية لتعزيز التفاهم بين ثقافات العالم المختلفة. وسعى من خلال برامجه وأقسامه المختلفة إلي بناء معابر فنية وثقافية تكون حلقات وصل بين البشر أكثر من أي وقت مضى، واستطاع في عدد قليل من السنوات ترسيخ أقدامه كواحد من أهم المحافل العالمية لاكتشاف كل ما هو جديد وفريد في عالم السينما العربية والعالمية.
وعكس مهرجان دبي السينمائي بإدارته وطريقة تنفيذه، منظومة متناغمة من العمل الجاد تشارك فيها مختلف قطاعات المجتمع بما في ذلك الفنانون وأيضا رجال الأعمال، وأصبح له منذ اللحظة الأولى مجموعة من الرعاة، ساهموا بدعمهم في جعل نجوم عالميين أمثال ـ ريتشارد جير، أوليفر ستون، مورغان فريمان، وجورج كلوني، وشارون ستون ـ يتألقون على (الرد كاربت) ـ السجادة الحمراء ـ التقليد العالمي لمهرجانات السينما الذي حرص عليه مهرجان دبي، وتداولته المهرجانات العربية بعد ذلك.
ومع دخول (دبي السينمائي) عامه الثالث، ومع حرص إدارة المهرجان على تطوير هذا الحدث الثقافي عاما تلو الآخر، تم استحداث مجموعة من العناصر الجديدة، أهمها (جوائز المهر للتميز في السينما العربية)،.
حيث تتنافس الأفلام العربية علي جوائز مالية قيمة، تدارستها إدارة المهرجان لتكون الأعلى على مستوى مهرجانات السينما في العالم، وحطم هذا الرقم (مهرجان الشرق الأوسط) ، حيث رصد هذا العام لمسابقته التي تشمل ـ الأفلام العربية والأجنبية ـ عشرة أضعاف هذا المبلغ ليزيد المنافسة ويشعلها بين المهرجانات العربية.
والمتابع والراصد لبرامج وأقسام (مهرجان الشرق الأوسط)، يجد أنها هي نفس منظومة العمل في (مهرجان دبي) وإن اختلفت المسميات والعناوين، بل إن إعلان (مهرجان دبي) في العام الماضي عن استحداث (مسابقة المهر للإبداع السينمائي الآسيوي ـ الإفريقي)، دفع بمهرجان القاهرة السينمائي في دورته الحالية لاستحداث قسم عن (السينما الأفريقية) وإصدار كتاب تحت عنوان (نافذة على السينما الأفريقية) وعمل ندوة تتبني شعار (دعوة لفك عزلة السينما الأفريقية).
كما سعى إلى جلب عدد أكبر من الأفلام الآسيوية، وتطوير أقسامه لتشمل أفلاما تتناول حقوق الإنسان، وصورة الإسلام في السينما العالمية، وهي عناوين سبق لمهرجان دبي تناولها في دورات سابقة.
لا يعتقد القارئ أنني أجري مقارنة عن (الناسخ والمنسوخ)، بل ما يجب التنويه إليه، هو غياب التنسيق العربي تماما للاستفادة من ستة مهرجانات سينمائية متعاقبة في مدة زمنية قصيرة، وهي (قرطاج، الشرق الأوسط، دمشق، مراكش القاهرة، ودبي).
وهذا ما دفع بعض الدول المنتجة سينمائيا إلى الاستحواذ على أفلامها الجديدة وحصرها على مهرجاناتها وأقصد بذلك دمشق والقاهرة ومراكش، ولم يخرج من هذا الحصار سوى مهرجان الشرق الأوسط الذي استطاع بمغريات كثيرة أن يقتنص أعمالا جديدة، عرضت بعد ذلك في دمشق، ثم جاء دور مهرجان القاهرة الذي لا يستطيع عرض هذه الأفلام في مسابقته الرسمية وأكتفى بفيلم واحد مصري (يوم ما أتقابلنا) ليمثل السينما العربية.
وأستحدث هذا العام مسابقة منفصلة للأفلام العربية شمل تحتها الأفلام التي تم عرضها في المهرجانات التي أقيمت قبله دون أن يسبب ضررا لمسابقته الدولية.
ولا يخفى على أحد أن مهرجان القاهرة السينمائي على مدار أكثر من 27 دورة، كان يعاني فيها من عدم وجود دعم أو رعاة، ومع وجود مهرجان دبي من خلال منظومة العمل به، تم اقتباس هذه المنظومة التي ساهمت في وجود دور لرجال الأعمال المصريين مثل نجيب ساويرس ومن بعده محمد نصير، ما أنعكس هذا العام على مقدرة المهرجان في استضافة خمسة نجوم من هوليوود وهم كيرت راسل، جولدي هون، سيلفر ستون، وسوزان ساراندون، وجوليا أورموند.
وسبقهم مهرجان الشرق الأوسط في هذه الخطوة وأستضاف أنطونيو بانديراس، ميلاني جريفيث، إدريان برودي، جين فوندا، وسوزان ساراندون، ولم يقف مهرجان دمشق مكتوف الأيدي وأستضاف هو أيضا النجمة الايطالية المعروفة كلوديا كاردينالي، والنجم الإيطالي الشهير فرانكو نيرو.
والفنان الأميركي ريتشارد هاريسون، وكان يستطيع مهرجان دبي بنوع من التنسيق والتخطيط والتلاقي بينه وبين رعاته، أن يجعل من دورته الخامسة حدثا غير مسبوق، فافتتاح جزيرة النخلة وفندق أتلانتس الخميس الماضي في وجود أكثر من عشرين نجما عالميا منهم روبرت دي نيرو، شارلايز ثيرون، وليندسي لوهان، وميشا بارتون وجاينت جاكسون، ومغنية البوب الأسترالية كيلي مينوغ، ونجمة بوليوود الهندية بريانكا شوبرا، وغيرهم، تسبب في حرق ورقة كانت رابحة، وتفرق كثيرا في سباق التنافس المحموم بينه وبين المهرجانات الأخرى.
من المؤكد أن العد التنازلي بدأ، ولم يبق على إطلاق الدورة الخامسة لمهرجان دبي السينمائي سوى 18 يوما، وسيتم اليوم في المؤتمر الصحافي للمهرجان استعراض برنامج عروض الأفلام، وكبار الضيوف، والشخصيات المكرمة، وأجندة الفعاليا.
وكلي ثقة.. رغم الصعاب التي أحاطت منظميه، والعراقيل التي تعرض لها مبرمجوه، ونسبة التشابه والتكرار في عدد الأفلام ونوعها لكن هناك تميز وتفرد، يجعل من مهرجان دبي السينمائي محط أنظار العالم.
دبي ـ أسامة عسل

