ماجدة اليحياوي فنانة مغربية من نوع خاص، فهي وفية، أداءً وبحثا، لطرب «الملحون» أو «فن الموهوب» الذي يعد فنا شعبيا وجزءا من الهوية المغربية، رسخت ظهورها في السنوات الأخيرة على الساحة الفنية المغربية من خلال ادائها لهذا اللون من الغناء المغربي الأصيل، وسعيها لتطويره وإيصاله إلى المتلقي العربي.
الصدفة وحدها لعبت دورا كبيرا في توجهها، فرغم أن ماجدة نشأت في مدينة صغيرة هي مدينة «سوق أربعاء الغرب»، وليس في فاس أو مكناس أو مراكش، المدن المغربية المعروفة بفن الملحون، فإنها وجدت نفسها متأثرة بكل ما يمت للتراث بصلة، لذلك حاولت صقل موهبتها وتعلم فن الملحون من أصحابه، وهكذا التحقت بالمعهد الموسيقي بمكناس، وتتلمذت على يد الراحل الحاج الحسين التولالي أحد أهم الفنانين المغاربة الملمين بهذا الفن الزاخر بالمعارف وبشتى فنون القول والأداء.
«الحواس الخمس» التقت ماجدة اليحياوي في حوار تتحدث فيه عن مسارها الفني الذي بدأ بشغفها بقراءة الشعر والأدب، وكيف قادها دون أن تدري إلى احتراف فن الملحون، رغم صعوبته واقتصاره تقريبا على الأصوات الرجالية.
الآن أنت مشهورة بفن الملحون ماذا تقولين عن فن «الملحون»؟
فن الملحون فن نخبوي لكنه من أرقى التعابير الغنائية نظما وإنشادا، فهو يحتوي على أغراض متعددة ومضامين متنوعة، ومعان ثرية وإيقاعات شعرية متميزة تجعل منه نتاجا محبوبا عند أوسع الفئات. وإذا عدنا إلى قصائده المغناة يمكن أن نعرف أشياء كثيرة عن تاريخ المغرب، وأن نكتشف أنه جامع وشامل لمجموعة من التقاليد والعادات المغربية. ونحن المغاربة نفتخر بهذا الفن لأنه فن أصيل نحقق من خلاله ذاتنا، وليس وافدا علينا مثل الطرب الأندلسي.
وعن تجربتك؟
من الصعب أن أعطي تقييما لتجربتي لأنها مازالت قصيرة، ما يمكن قوله هو انني منذ بدايتي وإلى الآن حاولت أن يكون لي موقع قدم في الساحة الفنية، نظرا لأن فن الملحون كان في وقت سابق حكرا على الرجال، ولم تكن النساء يتعاطين فيه إلا بشكل محدود، فهو يتطلب عدا الصوت الجيد ذاكرة جيدة بدونها لا يمكن للمنشد أن يؤدي القصائد بالشكل المرغوب فيه.
وتجربتي الشخصية غنية ومتنوعة بالمحطات التي عشتها، وأتمنى في المستقبل أن أبقى دائما متفائلة فهذه التجربة جعلتني مثابرة في العمل، خصوصا لما عرفت أن الجمهور يرغب في الاستماع إلى طرب الملحون بنكهة أخرى وبصوت نسوي. وطموحي هو تطوير نفسي والاستمرار في هذا الميدان.
ما مدى الاهتمام بالملحون وسط هذا التنوع الغنائي في المغرب؟
يوجد هناك تشجيع من كل الجهات المعنية، وأقصد هنا المهرجانات والقنوات التلفزيونية، ولكن لا بد من الاهتمام أكثر بهذا الفن لاستقطاب الشباب، وأن تكون هناك التفاتة كبيرة له من قبل دور الإنتاج سواء في القطاع الخاص أو العام، فمن الأكيد أن إحياء التراث من عوامل النهوض بحضارتنا، لذلك أرى أن يلقى «الملحون» التشجيع من خلال الدفع ببعض الأصوات الشابة التي اختارت أن تكون جزءا من هذا التراث، وأن تعطى لها الإمكانيات المادية والمعنوية لكي تستمر.
ولماذا الملحون بالذات؟
لم اختر أبدا الدخول إلى مجال الملحون. وجدت نفسي أؤدي القصائد كمسألة ضرورية يلزم فعلها إذ لم أقم بها فليس لي وجود، فهذا هو الملحون بالنسبة لي. لقد أحببت الشعر لذلك توجهت لدراسة الأدب العربي بكلية الآداب، ولم أكن يوما ما من حفاظه ولكني قرأت من الشعر العربي الكثير ما جعل الكلمة تخترقني وتؤثر في دواخلي بشكل كبير.
وقد رأيت أن الملحون هو ذلك الجسر الرابط الذي يمكن أن يجعلني على صلة وثيقة بالشعر، مادام يتغنى تقريبا بنفس المواضيع ويضفي نفس الخصوصيات أيضا.
إلى جانب ذلك يبرز عنصر الموهبة التي تُخلق مع الإنسان ولكن لابد من صقلها بالدراسة. وفي معهد الموسيقى بمكناس، حيث تتلمذت على يد المرحوم الحسين التولالي عام 1989 لُقنت قواعد الملحون وطريقة أدائه بشكل صحيح، وكيفية اختيار القصائد التي تناسبني باعتباري صوتا نسائيا، فمن الصعب أداء كل الألحان والمقامات.
هل هناك من صعوبات واجهتك في لون غناء ظل حكرا على الرجال؟
في أية بداية لابد من صعوبات، فمسألة الانتشار ليست سهلة وتتطلب قدرات وإمكانيات وطاقات كبيرة لتذوب كل العراقيل المحتملة الوقوع، واعتقد بدون غرور أني تجاوزت كل الحواجز، ولكن لأني غنيت بالمعهد لأول مرة وجدت في تشجيع الأستاذ التولالي ثقة كبيرة اعتز بها.
أما أن تحتكر أداء الملحون أصوات رجالية فقط فأعتقد أن هذا بدعة فقط لأنه لا يوجد إطلاقا لون غنائي خاص بالرجال وآخر بالأطفال أو بالنساء مادام الغناء واحدا.
كانت هناك قطيعة بين الأصوات النسائية وفن الملحون رغم أن نساء كثيرات تغنين به من قبل فإنه لصعوبة الأوضاع في الستينات والسبعينات لم يتمكن من الانتشار، واعتبر أن هناك صلحا جرى بيننا، وتم تقبلنا كأصوات صادقة تؤدي عملها بجد.
كيف تنظرين لإمكانية التجديد على مستوى أداء الملحون وموسيقاه؟
أن نجدد موسيقى وأداء الملحون أمر صعب، رغم انفتاحنا على القنوات الفضائية وتطور التقنيات، إضافة إلى إقبال الأذن الموسيقية المغربية على كل الألوان.
اعتقد أن سر الملحون يكمن في الشعر الذي نظم به، وإذا اكتشف هذا السر بطلت كل الأسئلة، فالقصيدة الملحونية تتطلب أُذناً موسيقية تتبع الأحداث لتصاب بنوع فريد من الشعر، لا يمكن أن يرى إلا إذا اقتربنا من الكلمة التي يفرغ من خلالها الشاعر مجموعة من أحاسيس وصور إضافة إلى غزارة المعنى. المهم في الملحون استيعاب الكلمة الذي يتطلب حسا رقيقا، وهو أمر ليس صعبا أو مستحيلا لأن الجميع أصبح يدرك قيمة الملحون كتراث مغربي عريق
ما هي مكانة الملحون في الساحة الفنية حاليا؟
يعيش الملحون حاليا حالة صحية لابأس بها. كنا سنخاف من اندثار هذا الفن لو لم يعتن به الشباب لأننا سنقول ان الملحون مات وانقرض، لكن اليوم وبانتقاله عبر أساتذة كبار اعتقد أنه بخير.
شخصيا، أسعى لأن يكون الملحون موجها إلى كل الفئات لا إلى النخبة من المثقفين فقط، لأن الفن للجميع. وإذا كانت الفكرة السائدة من قبل هي أن الملحون تراث شعبي، لكنه اليوم وفي ظل الإعلام والصحافة أضحى قيمة حقيقية بالنسبة لثقافتنا وهويتنا المغربية.
بماذا تفسرين دخولك وفنانات أخريات مجال التلفزيون؟
لابد للفنان من الانفتاح على تجارب جديدة تعزز مساره الفني، لذلك لم أتردد في دخول تجربة العمل التلفزيوني ليس لأن التلفزيون يقربني من المشاهد، ولكن لأنه يدفعني إلى البحث في المصادر المغربية التي تعنى بالفن والتراث الغنائي المغربي العريق ومختلف الفنون الشعبية المغربية، فالتحاقي بالتلفزيون جاء من منطلق التعريف بهذا الحقل الفني والأدبي وتقاسم هذه المعرفة مع الجمهور على مستوى أوسع. وباختصار شديد أقول: لقد تعلمت الكثير من تجربتي في التلفزيون، وأصبحت أدرك مدى اهتمام الناس وتعلقهم بموروثهم الفني والثقافي.
إضاءة
لنعد قليلاً إلى الوراء..
تربيت وسط أسرة تحب الفن، فأبي يعزف على آلة العود وإخواني كذلك، فمنهم من يعزف على آلة العود والجيتار، ومنهم من يعزف على الآلات الإيقاعية. الجميع يحب الموسيقى، والنقطة المشتركة بيننا جميعا هي بحثنا الدائم عن سماع الأجود في الساحة الفنية، إضافة إلى أني عشت في مناطق كان لها أثر كبير على شخصيتي.
حيث تعددت أسفاري وتعددت لقاءاتي بالطبيعة. واعتبر هنا أن هناك نقطة مشتركة بين الطبيعة والملحون نظرا لتغني قصائده بمواضيعها، فتجد الشاعر، وهو يصف هذه الأخيرة، يجعلك تعاينها وتتبع كل مشاهدها. وبمناسبة فصل الربيع، فأنا أعيش فترة من الأحاسيس تجعلني أرغب في أداء اكبر عدد ممكن من القصائد.
الرباط ـ رضا السيد
