لعل أكثر الأعمال الفنية صدقا وعمقا تلك التي تنبع من الوجدان الخالص والشفافية التلقائية كما في لوحات بعض الفنانين التشكيليين الذين نذروا أنفسهم لقضايا تتراوح بين إعادة تقاليد فنية مضى عليها أكثر من 3 آلاف سنة، فيما تنطوي أفكار البعض الآخر على أحاسيس إنسانية فيها النضوج والهدف، وما بالك عندما تكون خاصة بطبيعة المرأة.. وضعها الاجتماعي وأحاسيسها التي لا تستطيع الكلمات نقلها، ولذلك عكفت على بلورتها في ألوان وأشكال قد يراها البعض غريبة ولكنها انفعالات صدق تنطق بها شخوص لها حدودها وألوانها وهي تنطق دون أن يقدر كثيرون على سماع حركة شفاهها.
لقد تحول مركز دبي العالمي للفنون أخيرا إلى تظاهرة جمعت فنانين تشكيليين ينتسبون إلى الوعي والحقيقة والحرية، أمثال جريس شدياق من لبنان وستيفاني نيفيل من جنوب أفريقيا ووفاء خازندار من الإمارات. ستيفاني قالت لـ «الحواس الخمس» إن الفنانين المشاركين في المعرض ينتمون إلى ثقافات وجنسيات مختلفة، وقد ضم هذا النسيج الفسيفسائي للمعرض الكثير من الاستشراف والصيحات الغامرة تعبيرا عن الفرح والروح البشرية الكامنة التي تعكس تربية وبيئة معينة. وأضافت: على الأغلب ما يغذي الفنان لوحاته بإضافات كثيرة من بلده وبيئته. وقد تجسد اللوحات بألوانها الكثير من المتع الذهنية، وإلى قطع ملونة مستوحاة من البلد الذي ينحدر منه الفنان، وقد تكون اللوحة كتاب ذكريات يدون فيها الكاتب كل الأحلام الماضية التي مرت به وكذلك ذكريات الناس الذين عاش معهم، فمضوا مبتعدين بعد السفر والغربة التي تفصل الإنسان عن بيئته الأولى.
أما الفنان السوري باسم الساير فهو ينهل في احترافه للعمل الفني الكثير مما نهله من الأساتذة العظام الذين لقنوه الدروس الأولى في علم الفن والمعرفة، ومنذ أن تخرج مودعا فناء كلية الفنون الجميلة في دمشق وهاجسه الأول التأكيد على أهمية الدروس الأولى التي تلقاها في معهده الدمشقي وما أدركه بفضل حسه المفرط للأشياء والتطورات والأحاسيس والناس من حوله. وألف الساير في أعماله ألوانا خاصة تميزت به لوحاته فهي يميل في تجريده إلى استخدام اللون الأحمر والبني فضلا عن ألوان تدريجية للون البرتقالي. باسم تخرج من كلية الفنون الجميلة في دمشق في العام 1989 وتتلمذ على يد «أساتذته فاتح المدرس وخزيمة علواني والدكتور فواز بكداش والدكتور محمد الميرا، وخلال دراسته تعلم أساليبهم المتميزة وأخذنا بالمدرسة الكلاسيكية والقواعد الأكاديمية التي كانت سائدة، وبعد التخرج واكتساب الخبرة صار له أسلوبه الخاص، مستشهدا على سبيل المثال برسم الأشكال البشرية التي تعكس كل الاحتمالات البصرية وأسلوب استقاه من المنمنمات والزخرفة المستوحاة من الخطوط القديمة الموجودة في الآثار والنقوش الأثرية في مناطق مابين النهرين في الجزيرة.
وأضاف : بمرور السنوات نمى لدي أسلوبي الخاص.وهناك اتجاه في رسوماتي لتصوير الوجوه على اختلاف أشكالها لأنها نوع من التجسيد للسيناريو الداخلي أو الانفعالات الداخلية عند الإنسان. ونعلم أن الوجه ليس سوى مرآة للإنسان، ومن خلال رسم ملامح الوجه يمكن تطوير الانفعالات الداخلية.
وحول التفرد في اتجاه فني خاص قال: لقد درسنا المناهج الغربية، فكل الفنون التشكيلية في الأصل غربية، فليست هناك رؤى فنية عربية، وليس هناك علم جمال عربي، ولذلك نبذل جهدنا من خلال أعمالنا الفنية لإيجاد منظور ومفاهيم عربية بعيدة عن التأثير الغربي، ونحاول بناء الأسس الفنية لمنهج جديد بعيدا عن الأسس الغربية التي درسناها.
خازندار
ومن الإمارات تطل الفنانة وفاء خازندار التشكيلية بلوحاتها الاستثنائية التي تمثل حالات نفسية منغمسة بالكثير من الرمزية. وتخال شخوصها في اللوحات تتحرك بالكثير من الأناقة والرقة، وهي نادرا ما ترسم الرجل لأنها تحاول من خلال لوحاتها أن تجعل الآخر يحس بمشاعر المرأة الكائن الرقيق الذي لا يستحق إلا المعاملة الحسنة بدءا من الأم والأخت وانتهاء بالزوجة والابنة. ولوحات وفاء مخزون فكري كبير، استطاعت التعبير عنه بصدق عبر اللون وإبراز الملامح وطبيعة الحركة.
تقول وفاء: هناك اتجاه في رسوماتي لتصوير الوجوه على اختلاف تعابيرها وسحنها لأنها تجسيد للسيناريو الداخلي أو الانفعالات الداخلية عند المرأة على نحو خاص.
وعندما يقف الفنان أمام اللوحة للرسم يكون لديه مخزون كبير من المعلومات، ويحاول التركيز في عمله على موضوع بعينه، حتى لا يشتت ذهن المشاهد. وبالنسبة لي فإن الإنسان هو مادة عملي الجوهرية، فكل ما يعنيني في لوحاتي هو الإنسان بمعنى الكائن الاجتماعي الذي يتفاعل مع الآخر ويؤازره.
وفي نظري فإن الحياة جملة مفاهيم ومجموعة من التفاعلات الإنسانية، وهي الأصل في سر السلوك البشري. إذن فإنني لا أرسم دون هدف. وبداية أحدد الهدف وأبدأ بالرسم، وقد أتساءل: لمن أرسم ولماذا أرسم، فأقول دوما إنني أرسم لأتنفس.
دبي ـ محمد نبيل سبرطلي


