رغم مرور 158 عاماً على ابتكاره، لا يزال سروال الجينز الأكثر انتشارا في العالم. ابتكره «شتراوس» خاصة لرعاة البقر وصيادي الذهب في الغرب والجنوب الأميركي ليصبح سروالاً للجميع، ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية، فكيف استطاعت أميركا أن تغزو العالم بسروالها الأزرق الذي تكمن إحدى مميزاته في قماشه القطني الناعم السميك، ليبقى الموضة الحديثة الوحيدة وبالتأكيد،الأطول استمراراً عبر الزمن بعد أن تحول كما هو الآن، من سروال للعمل إلى الزي العملي الأكثر انتشاراً في عالم السراويل.

رحلة الجينز عبر التاريخ تعرضت للكثير من التعديلات الطفيفة في لونه كما في قماشه وأزراره وضيق أسفله، أو وسعته إضافة إلى جعله أكثر طوعية للحركة،ثم إلى انتقال «حمى الجينز» إلى الجنس اللطيف،لكن الشيء الذي لم يتغير هو متانته ومقاومته للأوساخ، أما النساء فأغواهن الجينز «الستريتش» الضيق الذي يشكل 80% من سوق الجينز. ويكمن السر وراء استمرار الجينز موضة عالمية وراء رغبة المستهلك، في اقتناء سراويل عدة منه يتناسب كل منها مع لوك. ومن جانب آخر إن ملاءمة الجينز لجميع الأزياء، جعلته حاضراً بموديلات متعددة في كل خزانة سواء للرجال أو النساء. وهذا ما يجعل كبار المصممين الرجال يتفننون في ابتكار من موديلاته الشعبية الرخيصة إلى الفاخرة والغالية، التي ليست متاحة لكل الفئات والطبقات.

وأصبحت عملية خياطته أكثر تعقيداً من حيث التنشية والفرك، بهدف إظهاره مستعملاً حسب مقتضيات الموضة الجديدة، التي ربما تدعو الحاجة إلى تمزيقه أو إحداث ثقوب في مناطق متفرقة من السروال. ومن اجل مظهر أكثر جرأة ،يجرى حالياً تعريض سروال الجينز للغسيل مرات عدة قبل عرضه في المتاجر، وذلك بهدف تثبيت اللون الأزرق الذي يصبغ فيه القماش. يحمل الجينز آثاره التاريخية من قماش خاص اشتهرت به مدينة (نيمس)الفرنسية منذ القرون الوسطى،ويشكل هذا القماش ركناً مميزاً لهذا السراويل الأميركية التي اعتمدت أقمشة (نيمس)المستخدمة في صناعة أشرعة المراكب، وبعض التجهيزات الخاصة بعربات نقل البضائع، ومن هنا جاءت أهم مميزات «الجينز «المتانة الفائقة والصلابة.

في عام 1850، هاجر آلاف الرجال إلى كاليفورنيا، بعد اكتشاف كميات كبيرة من الذهب هناك.. وكان بين هؤلاء خياط ألماني مهاجر يدعى أوسكار شتراوس فشل في اكتشاف شيء، وانحدرت به الحال درجة التضور جوعاً. وفي لحظة يأس قرر تمزيق خيمته ذات اللون الأزرق، وخاط منها سراويل شديدة التحمل أطلق عليها اسم «شتراوس جينز». وبسبب متانتها العالية ومناسبتها لأعمال المناجم أقبل على شرائها معظم العمال، فازدهرت تجارته، وأصبح أغنى من أي منقب هنا. وبعد ذلك انتقل الجينز إلى رعاة البقر، ثم نقله الجنود الأميركيون إلى أوروبا، ثم تابع انتشاره في العالم، حتى أصبح يتربع على قائمة الثياب الأكثر انتشارًا. وتروى حادثة مماثلة تقريبًا لنشأته أميركيًا، لكنها تؤرخ لبداية ظهوره في أوروبا بالطريقة ذاتها عن طريق عمال المناجم هناك.

الجينز موضة القرن

تقول رواية أخرى، إن البحارة الإيطاليين هم أول من لبس الجينز ومن مدينة جنوى انتشر الجينز إلى بقية العالم تدريجيًا، واستمرت صناعة الجينز تزدهر في أميركا، وتنتشر بين الولايات المختلفة بسبب انتشار العمال الأفارقة في مزارع القطن.

وأصبح الجينز يشمل كل من يعملون في المهن، التي تعتمد بشكل كبير على المجهود البدني، وفي طبيعة عمل أصعب من غيرها، والتي يتميز فيها الجينز عن غيره من الأقمشة بمقاومته الشديدة للقطع والتمزق مقارنة بمنافسيه في ذلك الزمان.

وقد تم استثمار التأثير السينمائي على الجمهور الأميركي، فبدأ ربط الجينز بصلابة أبطال أفلام رعاة البقر، حيث ارتداه ممثلو أدوار البطولة. وشيئًا فشيئًا بدأ تسويقه يستهدف شرائح وفئات عمرية جديدة، حيث زال اقترانه برعاة البقر، وبدأ ربطه بداية الخمسينيات بالفتى المراهق أو المتمرد على مجتمعه، حتى إن ارتداءه في فترة من الفترات كان ممنوعًا في كثير من المدارس الأميركية.

وفي عقد الثمانينيات من القرن العشرين، دخل الجينز عالم الموضة والأزياء من باب المصممين، وليس من باب السينما، فبدأ كبار المصممين حول العالم يستخدمونه في أزيائهم وصار المشاهير يلبسونه، وبالتالي وصل إلى جمهور هؤلاء المشاهير.. وفقد الجينز ارتباطه تدريجيًا بفئة العمال.

وأصبح رمزاً للتواصل الاجتماعي والسلام والعبثية والفوضى، وطريقة الشخص للتعبير عن نفسه، إذ واكب العديد من التحولات الثقافية الحديثة، وبخلاف طرق التسويق وعالم الموضة وأبطال السينما الأميركية، شق الجينز طريقه إلى أسواق جديدة دومًا، لما أثبت من ميزات ذاتية منها قوته ومتانته، وعدم الحاجة إلى كيه غالبًا، ولأنه مريح في الاستعمال مقاوم للعرق، دافئ في الشتاء، وبارد في الصيف.

دبي ـ رشا عبد المنعم