دفعت طبيعة موسيقى الراب القوية والمباشرة بعض الشباب العربي، الباحث عن مثال جديد يصوغ حوله هويته، إلى التعلّق بها. وهو بذلك يأخذ موقعاً مهماً بين أبناء هذا الجيل متعدد الثقافات والذين على اختلاف لهجاتهم وحدتهم هذه الموسيقى الثورية التي زرعت العديد من التحولات الفكرية وشيئاً فشيئاً بدأ العالم أيضاً يلاحظ حضورها على الساحة الفنية.

فالجميع يحبون النجاح خاصة إذا ما عبّر صاحبه عن ذاته بأمانة وصدق، وميّز في غنائه بين الطيب والخبيث ليختار كل شخص ما يريد وينبذ ما لا يريد، لقد كانت كلمات موسيقى الراب الجريئة هي السبب في لفت نظر العالم إليه.وتاريخياً وُلدت موسيقى الراب في حي برونكس في مدينة نيويورك، وهو حي فقير كانت تقطنه أغلبية من الأميركيين من أصول افريقية في السبعينات. وكانت البداية في عام 1974 عندما استعار جامايكي يُدعى كول هيرك أسطوانات موسيقى الصول والريغي التي كان يبثها في حفلاته وأخذ يتعامل معها بطريقة تجعلها تصدر أصواتاً جديدة بما يمكن وصفه بتمرير الأسطوانة إلى الأمام وإلى الخلف تحت إبرة الجهاز لخلق إيقاعات جديدة. ثم أسس فرقة جديدة باسم هيركولوردز دَمَجَت التمرير والغناء المرتجل، وأصبح هذا هو جوهر موسيقى الراب.

ويفخر مطربو الراب بما يقدمونه من أدوار غنائية سريعة، كما أصبحوا أبطال المبارزات الغنائية في الحفلات، حيث كان يتم الحكم عليهم وفقاً لقدراتهم على صوغ كلمات زجل مرتجلة تتماشى مع أنغام الموسيقى التي كان الحاضرون يستمعون إليها. هذه المعارك الغنائية لا تزال مستمرة إلى يومنا هذا. فالشعر الذي ساد في الأحياء الفقيرة في المدن الكبرى توجد في ثناياه رسائل قوية تتضمّن أصوات احتجاج ضد النظام الاجتماعي والسياسي الذي لا يبدو أن موسيقى الروك مهتمة بتناوله.

وفي الواقع، وفيما كانت موسيقى الروك تترنح تحت وطأة القلق المشوب بالذنب الذي يعيشه سكان الضواحي والذي يبرز في موسيقى الغرونغ لفرق مثل نيرفانا وبيرل جام في التسعينات، كانت موسيقى الراب تكشف على مسامع العالم حقائق الفقر في أميركا.

وقد جاء الخوف والذعر في بداية الأمر من سياق كلمات الأغاني التي اعتبرها النقاد عنيفة ومضادة للمرأة. وعُرف ذلك الشكل الموسيقي باسم راب العصابات .

وفي أوائل التسعينات أثار مطرب الراب آيس- تي جدلاً بسبب كلماته التي حثت على العنف ضد رجال الشرطة، مما أدى بقسم التسجيلات الموسيقية بشركة تايم وارنر الكبرى والحريصة على سمعتها التجارية التي كانت تعمل في مجال الموسيقى الرائجة، إلى الانسحاب كلية من مجال موسيقى الهيب هوب.

كما بدأت حملة ذات توجه أخلاقي، كان على رأسها سي ديلوريس تاكر وهي أميركية من أصول افريقية، ضد تلك الموسيقى، أو ما يُعرف بشعر الضواحي الجريء.

وسرعان ما أنضم إلى ديلوريس تاكر رهط من الساسة المشهورين. وأُلقي القبض على مطرب للراب يُدعى لوك سكاي واكر في ولاية فلوريدا واتُهم بأن كلمات أغاني فرقته تو لايف كرو تعتبر منافية للآداب.

وصاحب ذلك صدور قانون جديد يلزم شركات الموسيقى وضع ملصقات تحذيرية على ألبومات الموسيقى التي قد تشعر الحكومة بأنها «ملائمة للبالغين الكبار فقط» وتؤثر سلباً على المراهقين.

في هذه الأثناء، بدأت كلمات العنف التي تحتويها بعض الأغاني تنعكس على الحياة العملية، وتم اغتيال عدد من النجوم البارزين مثل تو باك شكور ونوتوريّس بي أي جي فيما تنافس جناحا عصابتين، واحدة منهما في الشرق وأخرى في الغرب الأميركي، من أجل الهيمنة على الساحة.

وفي سياق الحديث عن ظاهرة انتشار الراب العربي وإثارة الايجابية تعد من أهم الوسائل، التي انتشرت بين الشباب الفلسطيني في المناطق المحتلة في عام 67 ومناطق عرب آل 48، والتي أعتقد الشباب أنها أفضل موسيقى للتعبير عن الوضع المزري الذي يعيشه الفلسطينيون.

ويعد تامر نافر أشهر مغني «الراب» الفلسطينيين وهو من مدينة اللد التي يقطنها خليط من العرب واليهود. وقد أنشأ تامر فرقة راب باسم «دام »حيث يؤدي أعضاؤها أغان تعكس الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والوضع الاجتماعي الذي يعيشه الفلسطينيون داخل إسرائيل.

وفي مقابلة مع إحدى الصحف الأجنبية قال تامر «الوضع الذي نعيشه هو المحفز الأساسي لتأسيس مثل هذه الفرقة. فعن طريقها يمكننا التعبير عن رأينا في الكثير من المشاكل.

وبالفعل بلدة اللد، يمكن اعتبارها أكبر سوق للمخدرات في الشرق الوسط.، فالشرطة لا تفعل الكفاية لحل المشكلة، وعن طريق الراب نغني ونعبر عن رأينا الساخر، ونسأل الشرطة كيف كنتم تتصرفون لو أن هذا الوضع كان في مدينة يهودية».

وقد وضعت فرقة «دام» الكثير من أغانيها في موقع خاص عبر شبكة الإنترنت، وهناك حركة نشطة على الموقع حيث تمكن أكثر من مليون شخص من إنزال أشهر أغنية للفرقة وهي أغنية «مين إرهابي».

ويؤكد تامر أن الفرقة تخطط لإصدار أغنية باللغة العبرية لتثقيف اليهود في إسرائيل على حقيقة ما يفعله الجيش الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية وكذلك على التمييز الذي يعانيه العرب داخل إسرائيل.

ويبدو أن تامر وفرقته ليسوا الوحيدين في المعركة الموسيقية لفضح ممارسات إسرائيل العنصرية والتعسفية. فعلى بعد آلاف الأميال وبالذات في الولايات المتحدة التي تدعم إسرائيل، يسكن هناك من يُسمع جميع الأميركيين عما يجري في المناطق الفلسطينية.

هذه المهمة يقوم بها ويل يومانس، وهو فلسطيني أميركي يعمل في النهار مدرسا للعلوم السياسية في إحدى الكليات، وفي الليل يسرد قصته عن طريق موسيقى الراب حتى يُعرف الأميركيين عن أيام طفولته في فلسطين التي ولد فيها.

دبي ـ رشا عبدالمنعم