تبدو علاقة الفنان العربي مع الإعلام في جوانب عديدة منها استفزازية، وقائمة على الجدل إلى حد كبير، نظراً لطبيعة التواصل الحتمي بين الطرفين، إذ لا يستطيع أحدهما أن يعمل بمعزل عن الآخر في كل الظروف والمناسبات.
ولطالما كانت تلك العلاقة محط خلافات وتناحرات بين الإعلاميين والفنانين، إلى درجة أن الفنان صار يخاف من الإعلام، باعتباره وسيلة تحرف أقواله، وتسعى لقلب الحقائق، وخلق خصومات هو في غنى عنها.. وهكذا يصبح الإعلام بالنسبة للفنان عابراً يقتصر إلى حد كبير على ابتسامة للكاميرا، وتصريح عاجل في ملتقى اجتماعي ما، وربما لم يعد يريد أكثر من هذا..
وبناء على العديد من الأحداث والمواقف التي حدثت بين الإعلام والفن، يبدو أن هناك اتفاقاً ضمنياً بين الفنان والصحافي على أن تكون تلك اللقاءات العابرة، فسحة لتعريف المشاهد بأحدث إنتاجات الفنانين، وتقديم تصور عن علاقته بمشكلة ما، وشرط أن يكون اللقاء سريعاً ومقتضباً، وهذا بطبيعة الحال يتعلق بالكاميرا التلفزيونية والحوارات التي تسعى فيها بعض المذيعات، للحصول على مادة سريعة للمحطة التي تعمل فيها.
وربما كان الوضع مختلفاً بالنسبة إلى بعض مؤسسات الصحافة المكتوبة، التي غالباً ما يلجأ أصحابها إلى القيام بفبركة الأخبار، وتلميع النجوم وفق سياسة إعلامية متفق عليها، وهذا أيضاً جزء من تركيبة إعلامية جديدة، اعتاد كل من الطرفين عليها، ومن هنا، يصح القول إن اللعب صار على الطاولة وليس تحتها أو أمامها، وبالتالي فإن الكثير من التفاصيل الخاصة بآلية اللعب سيجري الحصول عليها ومعرفتها.
ويشكو الفنانون دائماً من أن الصحافيين لا يملكون الوقت والمعلومات الكافية، لاجراء حوارات جادة، وبالتالي صار هم الصحافي، حسب ادعاءاتهم، الحصول على الصورة، والمضي باتجاه التأسيس لحوار صحافي غير لائق بالفنان ذاته، لدرجة أن بعض الفنانين صاروا يشككون عما اذا كان من يحاورهم هل يعمل في مهنة الصحافة حقاً أم لا..؟
ويروي احد الفنانين أن مذيعة وقفت ذات مرة أمام الفنان دريد لحام، وطلبت منه على الهواء التعريف بنفسه للجمهور، فما كان منه إلا أن توقف عن إجراء الحوار مستنكراً هذه الطريقة. ويقال إن الممثل الراحل رشدي أباظة كان يجري امتحاناً للصحافي، عندما كان يرغب بإجراء حوار، ويسأله في الاختبار عن تفاصيل لها علاقة بالعمل الفني.
وإذا اجتاز الصحافي الامتحان يرفض، كان أباظة اجراء الحوار، وإذا رسب فإن سيلاً من التوبيخات ستنهال على رأس ذلك الصحافي. وتعتبر الفنانة منى واصف أن الصحافة خدمتها كثيراً، وأيقنت منذ البداية أنها يجب أن تخلق جسوراً وطيدة مع الصحافيين، فصارت تقرأ كثيراً، وتثقف موهبتها.
وفي الوقت الذي يجد الصحافي نفسه متهماً، في هذا الجانب يدافع هو الآخر عن خياره وعلاقته مع الفنانين بأنها شائكة نتيجة غرور الفنان وعدم قدرته على الخروج من «الأنا» المتضخمة لديه، والتي لا يقبل بموجبها أي آخر، أو أي حديث عن إبداع غيره، بالإضافة إلى جهله في الحديث عن علاقته بمهنته والكثير من القضايا الحياتية الأخرى.
وتصل تلك العلاقة إلى درجة ان يثأر الفنان لنفسه، فيتأخر عن مواعيده مع الإعلاميين، ويرفض إجراء حوارات معهم، أو قد يعتذر بحجة ضيق الوقت وعدم رغبته بالتصريح الآن. وأملت إحدى الفنانات شروطاً تعجيزية على أحد الإعلاميين، رغبة منها في الحصول على حوار لا لبس فيه.
فقالت له أن يتجنب الحديث عن علاقتها مع الفنانات الأخريات اللواتي ينافسنها في المجال ذاته، بالإضافة إلى رغبتها في عدم التحدث عن الأعمال، التي قامت بها في بداية مشوارها، متذرعة بأن ذلك كان في بداية الطريق، وليس هناك من داع لأسئلة ثقافية ثقيلة، تكشف عن عجزها.. وأخيراً كان لا بد لها أن تذكره أن وقت اللقاء يجب ألا يتجاوز الخمس دقائق.
خلاصة القول، إن علاقة الفنان مع الصحافة، ربما تحتاج إلى إعادة هيكلة، بحيث يضمن الفنان الحصول على حصته من الإطلالة الإعلامية، والصحافي يمضي باتجاه تحقيق مكاسب تضمن له ترويج موضوعه على الأقل.. فأين كل من الطرفين من هذه المعادلة؟
دبي ـ جمال آدم



