صناع السينما في هوليوود يبررون أفلام المطاردات والقتل والانفجارات، على أن الواقع الذي نعيشه شديد العنف مزدحم بالمكائد والأخطار، وعلى هذا فلابد أن تكون الأفلام أعلى درجة، أي أكثر عنفا وتوترا، حتى يكون هناك دافع للمشاهدة.
الأمر ببساطه «فرجة» مشحونة بالإثارة، وهكذا أصبحت المنافسة، من يحقق رعبا أفظع وعنفا أشرس ومن يجعل الشاشة ـ تطرقع ـ بالرصاص، ويجعل المشاهد يتشبث بمقعده أكثر، انتظارا للقطات تتطاير فيها كل الأشياء، هذه النوعية من الأعمال تقتحم عيوننا مع فيلم جيمس بوند الجديد « قدر من العزاء» والذي بلغت تكلفته 230 مليون دولار. وترتبط أحداثه بعد ساعةٍ من انتهاء الفيلم السابق من نفس السلسلة «كازينو رويال»، حيث يتناول محاولة بوند تعقب قتلة المرأة التي خانت حبه، والتصدي لخطة إرهابية لتصعيد ديكتاتور في دولة نامية، للسيطرة على أراضٍ بها موارد طبيعية مهمة.
يبدأ الفيلم كعادة أفلام «بوند» بمشاهد ما قبل التتر التي تستغرق ما يزيد على العشر دقائق وتمثل غالبا نقطة الهجوم المثالية على المتفرج حيث تحمل عادة سرا خطيرا أو ظهوراً لشخصية غامضة أو حادثة سوف يترتب عليها الحبكة، حيث مطاردة مشوقة يستعرض فيها المخرج خطته في التصوير..الاقتراب المزعج والمرهق بالكاميرا من التفاصيل الخاصة بالأشياء والأشخاص.. أو إطارات السيارات ودواسات البنزين والشظايا الناجمة عن احتكاكات المعدن مع استخدام الكادر غير الثابت والزوايا التحتية التي تكون الكاميرا فيها منخفضة عن مستوى العنصر الذي تصوره، المونتاج بإيقاع لاهث وغير مستقر وقافز في بعض الأحيان، الموسيقى المصاحبة للقطات والتي تساعد علي مزيد من الإثارة وتجعل المشاهد مستعدا لتشويق أكثر.
مقدمة هذا الجزء من أقصر أجزاء السلسلة التي يتجاوز معظمها الساعتين، ربما لأنه يعتبر جزءاً ثانياً أو استكمالاً للجزء السابق على اعتبار أن الخصم واحد تقريبا وقد تم التمهيد له في الجزء السابق وهى منظمة شركة دولية تمارس أنشطة احتكارية لأهم السلع الإستراتيجية في العالم مستغلة اضطرابات الحكم والمصالح المشتركة بين الدول العظمى التي تمثل الإمبريالية الجديدة حيث الاحتلال والتحكم دون تحرك عسكري، وإنما عبر العولمة التي خلطت الأوراق بين ما هو خير وما هو شرير وفاسد.وصورت أجزاء كبيرة من الفيلم الجديد على جانب أحد الجبال شمالي شيلي في أميركا الجنوبية، وهي مركز التنقيب عن النحاس، لإضفاء سمة الواقعية على العمل، حيث يدور جوهر الفيلم الذي يتخذ من أميركا الجنوبية مسرحا لأحداثه وحبكته فتبدو النفعية الأميركية واضحة بشكل فاضح «في صورة عملاء الـ CIA .
إلى جانب التبعية البريطانية «ممثلة في تورط مستشار لرئيس الوزراء في مؤامرة الاحتكار الدولي»، إلى جانب استسلام حكام العالم الثالث لشروط القوى العظمى وشركات الاستعمار الجديد طمعا في السلطة والتي أظهرها الفيلم في نموذج الجنرال البوليفي المخلوع بشهوته المفرطة نحو النساء كرمز لشهوته نحو الحكم.
وعلى عكس ما تصور البعض من أن تيمة الثأر هي التي ستكون غالبة على هذا الجزء مثل أحد أجزاء السلسلة الذي قدم سابقاً «تصريح بالقتل»، وكان قائما على أن «بوند» ينتقم لأحد أصدقائه بينما يحاول هنا أن ينتقم للفتاة التي أحبها في الفيلم السابق ـ والتي ضحت بنفسها من أجله «أو هكذا يظن» إلا أن التصاعد هنا يبدو مختلفا، وبالتالي الصراع مختلف رغم أن كليهما يدور في أميركا الجنوبية.
فيلم « قدر من العزاء» يطرح موضوعا جديدا وهو حرب المياه التي تنتظر العالم وتبدو الفكرة ضعيفة مغرقة في السطحية على حساب أشياء كثيرة فنية، أضعفت هذا الجزء من أعمال بوند التي يطغى عليها الإبهار والجرأة في الطرح والتحليل.
ويبدو أنه تقليد جديد ينتهجه صناع السلسلة الحاليون حيث ينتهي خط الثأر لحبيبة «بوند السابقة» ويبقى الخط الرئيسي الذي يبحث وراء المنظمة الجديدة وزعيمها وتنتهي فرضية أن «بوند» تحول إلى عميل جامح حيث يقر في النهاية أن حتى طلبه الاعتزال لم يكن حقيقيا فهو لم يغادر جهازه ولم يتخل عن رقمه 007.
مخرج الفيلم هو «مارك فورستر» صاحب «عداء الطائرة الورقية» و«البحث عن نيفرلاند» وهو ليس مجرد مخرج منفذ لما يرسمه كتاب السيناريو ولكنه في هذا الجزء لم يكن موفقا على عكس ما عودتنا السلسلة من قوة وانفصال شبه كامل بين كل فيلم والذي يليه.
ويذكر أن فيلم بوند الجديد كسر مقاييس الإيرادات في نهاية الأسبوع الأول من عرضه بمبلغ 5,25 مليون جنيه إسترليني وفقا للأرقام الأولية، رغم أنه حقق ما يزيد على 2,14 مليون جنيه إسترليني في كل من السويد وفرنسا.
فيلموغرافيا
الاسم الأصلي: Quantum of Solace
الاسم التجاري: «قدر من العزاء»
سيناريو: بول هاجيز- نيل بيرفس - روبرت وايد
إخراج: مارك فورستر
بطولة: دانييل كريغ - إوليجا كورلينكو
مدة الفيلم: 106 دقائق



