يذكرنا أدونيس بشعراء العالم الكبار أمثال: بول ايلوار وجان كوكتو وغارثيا لوركا الذين لم يكتفوا بقصائدهم، بل جعلوا منها مادة بصرية، تمتد إلى آفاق الرسم والتشكيل، ومزيجا من حركة اليد ورؤية العين، تتعانقان من أجل توليد لذة التذوق الفني. وربما أدونيس هو الآخر لم يكتف بقصائده رغم شهرتها، لذا لجأ إلى فن ربما لا يمتد إلى جذور تراثنا، ألا وهو «الكولاج» الذي ارتبط على الدوام في الأذهان بالمقص الذهبي للمبدع، عندما أراد أن يتحول الشاعر إلى رسام ويشاركه رؤيته. أكثر من ثمانين لوحة يقدمها الشاعر في معرضه « مقامات أدونيس» الذي افتتح بصالة «هنر غاليري» في دبي بحضور معالي عبد الرحمن العويس وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع ومعالي حميد القطامي وزير الصحة والأديب عبد الغفار حسين وجمع من الشخصيات والوجوه الأدبية والإعلامية. يقول أدونيس في حديثنا معه حول معرضه بأنه يرى القصيدة في شريحتها التشكيلية والموسيقية والشعرية والبصرية.

«مقامات» .. المعرض الحالي، نصوص بصرية قائمة على عملية التواصل بين الكلمات والتشكيل، بطاقتيهما اللامحدودتين في التعبير والإيحاء والرمز، يسعى عبرها أدونيس أن يقدم إضافة جديدة إلى فن الشعر، الذي يجيد صنعته، ولا يريد له أن يقف معزولاً ووحيداً بل يتجاور مع التشكيل في عملية إبداعية. فن الكهوف كان الأول، قبل أن ينطق الإنسان بالكلمات، فهو يريد أن يجعل من الاثنين أي التشكيل والكلمات، يولدان في آن واحد. ونُحار في هذا المعرض، بأي فعل نقوم: هل نقرأ التشكيل ونبصر الكلمات أم العكس؟ المتنبي والمعري والنفري.. هل هم شعراء يعيشون بيننا أم يعيشون على صفحات الكتب القديمة. أدونيس أخرجهم في نزهة عصرية لتعانق نصوصهم تشكيلات ورسومات ورقائم، كما يحلو لأدونيس تسميتها، ليعبروا لنا عن القصيدة المرئية والتشكيل المقروء. وربما يطرح الشاعر مسألة جوهرية وهي إمكانية النظر إلى موروثنا نظرة جديدة بعيدة عن القوالب الجاهزة والنظرة المسبقة، ويدلل لنا على أن هذا الموروث ليس معلباً أو جامداً كما يتصور البعض، بل فيه من الحركية ما يمكن أن يلائم كل العصور.

ولعله في هذا المعرض أنفق وقتاً طويلاً في التأمل في التقطيع واللصق والمزج، واختار لنا جزءاً من روحه وتفكيره، بعد أن جسد الكلمات على هيئة تشكيل بارع من أجل القبض على اللحظات الهاربة من بين أصابعه، قصائد تجلس في ظل رسومات، ورسومات تحتضن القصائد في ابتكار جمالي لم يقدم عليه الشعراء العرب وربما ألهتم القصيدة عن فن التشكيل.

أدونيس يعيش في البيئة الباريسية التي تشجع على هذا الامتزاج بين الفنون، بل وتتجاوز حدودها لتقدم رؤية واحدة هي: الفن الخلاق، كان هذا الينبوع ولا يزال يغذي آلاف الكتّاب والشعراء على أرض باريس، لا يمكن للشاعر أن يولي ظهره للمعارض الفنية وعروض المسرح وصالات السينما وفنون الباليه وغيرها.. يؤكد أدونيس قائلاً: « لولا علاقاتي مع الرسامين التشكيليين العرب والعالميين لما لجأت إلى فن «الكولاج» الذي جسدته عبر خليط من الكلمات والرسومات وغالبيتها مكونة من المواد المهملة، التي لا يعيرها أحد اهتماماً لو رآها خارج اللوحة، أو ربما لا تثير في نفسه أية مشاعر تذكر».

وعن اهتمام الشاعر الذي يعيش في مثل هذه البيئة، يقول أدونيس: «إن لا يستطيع الشاعر أو الأديب أن يبتعد عن الفن والموسيقى والسينما..أتطلع إلى أن تكون قصيدتي كونية أي أن تعانق الفنون الأخرى، ولعلي أقول إن القصيدة العربية وللأسف الشديد تبدو منعزلة عن كل هذه النشاطات وكأنها جزيرة نائية».

وربما هناك من يتساءل: لماذا يلجأ أدونيس وهو الشاعر المعروف إلى فن الكولاج الذي يعود تاريخه إلى عشرينات القرن الماضي، وهو جزء من الفن الشعبي الذي ظهر على أعقاب الكولاج والدادائية والسريالية، تلك المذاهب التي تعاملت مع الفن بصورة ساخرة، والكولاج كان أحد أساليبها؟ يجيبنا الشاعر:» معرضي الحالي تحية إلى نصوص الشعراء الذين ضمتهم هذه الرقائم».

في الواقع، لا يعتبر هذا المعرض الأول من نوعه لأدونيس حيث أقام معرضين آخرين في العالم العربي، وقبله معارض أخرى في برلين عام 2000 ،ثم في معهد العالم العربي في باريس. وربما ما دفعه للتعامل مع «الكولاج» هو العزلة التي يعيشها أدونيس في مكتبه الكائن في الطابق الخامس والثلاثين الذي كنت أزوره فيه باستمرار في منطقة « كوربفوا» في ضواحي باريس، وهو يشتغل بالخطوط والأشكال والورق والألوان أثناء ما كان يقوم بجمع أرشيفه، ويمسك بالمقص ويبدع لوحات فنية، يعلقها على جدران مكتبه، مع مجموعة من اللوحات التي أهداها له الرسامون الكبار أمثال شاكر حسن آل سعيد وضياء العزاوي.

هل هي لوحات أم رسوم أم كولاج؟ .. أدونيس يطلق على ذلك « رقائم»، وفي شغفه بهذا الفن. ويبدو أن الكتابة لديه عبارة عن عنصر تخطيطي، كائن يعيش بين اليد والعين. وما يعمله أدونيس ليس جديداً، فقد استخدم السرياليون كل ما كانوا يعثرون عليه من قطع وبقايا مهملة، وهنا يقدم لنا الشاعر نصوص الآخرين على شكل طبق لذيذ.

وهكذا يقوم أدونيس بجمع الرمال والسحب والطحالب والأقمشة والحصى وقطع الخشب وقشور الأشجار والورق المقوى لينفخ فيها روحه، هذا ما فعله الشاعر في هذه المواد المهملة ووضعها في صيغ جديدة.

ولكن السؤال المطروح: هل يمكن تطبيق فن غربي، وهو الكولاج على نصوص عربية خالصة، تلك التي اختارها أدونيس من شعر المتنبي والمعري والنفري وغيرهم من الشعراء القدماء؟ تبدو «الطبخة» غريبة للوهلة الأولى، وخاصة من الناحية البصرية، ولو كانت نصوصاً انجليزية أو فرنسية، لما شكلت الرسومات مفارقة مع الخط العربي.

في الحقيقة، إن أدونيس يحاول أن يحاور المعري والمتنبي والنفري، ويسعى إلى تطويع نصوصهم إلى أشكال فنية معاصرة، ولكنه ينزلهم من المقدس إلى الأشياء والأشكال المهملة بل والمرمية على قارعة الطريق، لينسج منها نصوصاً قابلة للحياة في مجرى الزمن المعاصر.

دبي ـ شاكر نوري