شهدت السنوات الأخيرة ثورة كبيرة في عالم الديكور الخاص بأرضيات المنازل ظهرت خلالها أنواع وتقاليع جديدة قلبت كثيراً من الموازين، ووضعت المستهلكين في حيرة من أمرهم، ومع ذلك فقد ظل ملوك الأرضيات الثلاثة الرخام والسيراميك والباركية الخيار الأفضل والأضمن دائماً خاصة وأن الشركات التي تقوم بتصنيعها لا تتوقف أبداً عن التطوير والتنويع في الخامات والتركيب والتصميم والألوان ما أدى إلي توسيع فرص الاختيار بين الأنواع الكثيرة والمختلفة.

ويعتبر الرخام من البدائل المتاحة والأنيقة في ديكور أرضيات المنازل الحديثة، فهو يضفي الكثير من الفخامة والرقي لأي مساحة يتواجد بها إلا انه بالرغم من ذلك ومع مضي الوقت أصبح ذا شكل تقليدي وغير ملفت، لذا فكر مصممو الأرضيات والديكور في إضافة عناصر تزيينية جديدة للأرضيات الرخامية. فيما تختلف القيمة المادية باختلاف القيمة الجمالية التي كثيرا ما تستوقف أصحاب الذوق الرفيع والباحثين عن مواطن الجمال والأناقة التي تجعل من منازلهم تحفة فنية لا تقدر بثمن تحاكى روعة وبهاء أفخم قصور العالم وأكثرها شهرة.فمن منا لم يفتن بقصر تاج محل إحدى أهم عجائب الدنيا السبع والمشيد بالكامل من الرخام الأبيض الأكثر نقاء في العالم ومسجد الشيخ زايد في مدينة أبوظبي الذي يعد ثالث اكبر مسجد في العالم من حيث المساحة الكلية بعد الحرمين الشريفين بمساحة تبلغ (22 ,412) مترا مربعا بدون البحيرات العاكسة حوله وكذلك من اكبر عشرة مساجد في العالم.

ومن خلال تصاميم فن «الإنلي» pietra dura الذي لعب دورا مهما في مجال الفن المعماري الهندي في القرن الثاني عشر واختص به أبناء ولاية راجستان كحرفة تتوارثها الأجيال وبرز هذا الفن ووصلت ذروته في القيمة الفنية في القرن السابع عشر ولاتزال تحتفظ بجمال ودقة الصنع. وفى السياق تؤكد نورة المازمي مالكة متجر «ممتاز غاليرى» المتخصص في عرض القطع والأثاث المصنوع من الرخام الأبيض أن كثيرا من الناس قد يجهلون الفرق بين الأنواع المختلفة للرخام وأكثرهم جودة والأهم من ذلك القيمة الفنية والمعمارية التي تدوم إلى الأبد ولا تقدر بثمن وهو ما مميز رخام مكرانا المستخرج من محجر جبل «ماكرانا» .

والحديث عن رخام مكرانا يقودنا إلى تاج محل هذا الصرح المعماري الفريد من نوعه وهو الدليل الثابت على أفضلية رخام مكرانا حيث تلألؤ بلوراته نتيجة لانعكاس ضوء القمر في منتصف كل شهر ليعطي منظراً مهيباً يأخذ بالألباب ويثير البهجة في النفوس، وكأن المكان يشع بالنور وسط الظلام.

فمن المعروف تاريخيا انه عندما تزوج الإمبراطور المغولي الخامس شاه جيهان زوجتين، لم تنجب له الأولى واسمها «سكندري بيكم»، أما الثانية فهي الإمبراطورة ممتاز واسمها الحقيقي «أنجومن بانو» وأنجبت له أربعة عشر من الأبناء توفي ثمانية منهم وبقي ستة، أربعة أبناء وبنتان، لقد أحبها بعمق بعد قصة خلدها التاريخ، وطلبت منه ألا يتزوج بعدها إذا ماتت، وتوفيت وهي تنجب الطفل الرابع عشر عام 1628م في منطقة «برهان بر» جنوب الهند بالقرب من بومبي ودفنت هناك، وحزن لفراقها كثيراً، فرغب أن يخلد ذكراها ببناء «تاج محل» الذي شيد من الرخام الأبيض النقي (الماربل).

وبالمكان بوابة جميلة مزخرفة غاية في الإبداع الفني مزينة بسورة (يس) بالخط الفارسي بحروف عربية ومزخرفة برسوم إسلامية بألوان جميلة محفورة على الرخام، وجلبت الأحجار الملونة طبيعياً من أفغانستان ومصر وتركيا وإيران،و أسند الإمبراطور شاه جيهان هذه المهمة للمهندس التركي عيسى أفندي والمهندس محمد سيازي خان الإيراني فوضعا تصاميم البناء، وبالفعل بدأ العمل في البناء عام 1631م وانتهى عام 1653م.

وشارك في البناء حوالي 22 ألفاً من العمال والمهندسين، وبالداخل مسجد وقصر للضيافة استغرق بناؤهما خمس سنوات، وهناك أربع منارات، ثلاث منها قريبة بنيت مائلة عكس الاتجاه لئلا تقع على البناء في حالة حدوث زلزال، أما المنارة الرابعة فبنيت بزاوية قائمة بعيدة قليلاً، ولا ترمز المنارات الأربع لشيء معين بل تعد ديكوراً جميلاً للبناء.

وعلميا فان رخام مكرانا هو أفضل أنواع الرخام نظرا لخواصه الطبيعية كصخر كلسي متحول، يتكون من الكاليست النقي جداً (شكل بلوري لكربونات الكالسيوم CaCO3). بنسبة كبيرة جدا تقدر ب«70 والمدهش في الأمر أن تنظيفه بشكل مستمر يزيد من لعمته وتألقه على عكس الأنواع الأخرى من الرخام التي قد يصبها البهتان وتفقد جزءا كبيرا من تألقه.

وعن «فن الإنلي» تقول نورة: في حقيقة الأمر أن هذا النوع من الفنون المتصلة بالنحت على الرخام والذي لا يأتي من خلال المشاهدة فقط وإنما عن طريق الملمس والحركة المجسمة أيضاً ويشكل النحات الأعمال بيديه التي هي أقدر الوسائل لنقل الحس الفني العالي باللمس، إلي جانب استخدامه لبعض الخامات التي تنقل لدينا الإحساس بواقعية الشكل المنحوت وأهمها تطعيم بعض أشكاله بالأحجار الكريمة المطعم بالصدف بأشكال وردية ونباتية مما يجعلها تضفي جمالا ورونقا،وترى نورة أهمية هذا الفن نظرا لأسلوبه المتفرد ودقة تفاصيله التي تميزها قطعا عن باقة الفنون فهو لا يتعامل مع الأشكال المسطحة مثل فن التصوير وإنما يتضمن أشكالا مجسمة ذات أبعاد ثلاثة للعديد من القطع والتحف والأثاث كطاولات الطعام وغرف الجلوس والأسرة وزينة أحواض السباحة ونافورات الحدائق.

حيث تلعب المساحات الشاسعة في المنازل دورا مهما في أبراز جماليات هذا الفن الحرفي المتوارث لدى بعض عائلات منطقة راجستان من خلال النقوش والزخرفات والتي أهم ما يميزها أن كل قطعة متفردة في النقوش ولا يعاد تكرار نماذج أخرى من نفس القطعة ما يضفى طابع الخصوصية الكاملة عليها.

وعن مدى انتشار هذا النوع من الفنون تقول نورة المازمى: من المفارقات العجيبة انه رغم النشأة هذا الفن كأحد الفنون الإسلامية ألا أنها وجدت حظا ونصيبا من الانتشار في كثير من بلدان العالم الغربي وخصوصا في ايطاليا التي تشتهر بمنحوتاتها الرخامية البديعة والجميلة،ومن خلال عملي في مجال المقاولات والديكور أتمنى أن أضفى مساحة من الإبداع على الكثير من المنازل والفنادق التي تقدر الفن الراقي والأصيل الذي يؤسس لتاريخ عريق للعديد من المباني المشيدة بهذا النوع من الرخام الملكي المغرق في الفخامة.

ومن جانب أخر فإنني اشعر بالفخر كوني الناطق الرسمي باسم هذا الفن العريق بذوره الثقافية المرتبطة بفن العمارة الإسلامية وهى ميزة وقيمة عالية جدا تمنحه مكانة خاصة ومميزة في الأمارات من خلال «ممتاز غاليرى» في خان مرجان وافى سنتر لذا أتوجه بدعوى للجمهور للتعرف على روائع وإبداعات هذا الفن خلال المعرض المفتوح والمقام يوم السبت 15 نوفمبر.

دبي ـ رشا عبد المنعم