لعبت الدراما التلفزيونية دوراً مهماً في السنوات الأخيرة، في تسليط الضوء على الأحداث التاريخية المفصلية في حياة الشعوب العربية والإسلامية، وما شهدته بلدانهم من ثورات ونضالات في مواجهة الحروب والغزوات الاستعمارية، كما أضاء العديد من الأعمال الدرامية على قادة وفلاسفة ومفكرين عظماء تركوا الأثر الكبير في تاريخ أمتهم.
وفي هذا السياق تأتي القضية الفلسطينية بما هي المسألة المركزية لدى العرب والمسلمين، لتثير مجدداً مسألة الحضور في الأعمال الإبداعية على الشاشة الصغيرة، وإن كانت تظهر بين الحين والآخر في أعمال مؤثرة، لا سيما في «التغريبة الفلسطينية» التي قدمت قبل عامين خلال أيام شهر رمضان المبارك.«فلسطين في الدراما العربية» كان عنوان الندوة التي نظمها، المركز الإعلامي والثقافي في سفارة فلسطين بالقاهرة، في مقر نقابة الصحافيين المصريين، وتمخض عنها عنوان أساسي يقضي بمنح القضية الفلسطينية المزيد من التغطية في العمل الدرامي العربي.
واقترح المشاركون، في الندوة، تنظيم مسابقة لأفضل إنتاج درامي عن القضية الفلسطينية، وإدخال شيء عن فلسطين ولو رمزي في إنتاج درامي عربي، حتى لو لم يكن يتناول القضية الفلسطينية، ودعوا لإعطاء القدس خصوصية معينة في الدراما، نظراً للتحديات الجسام التي تواجهها المدينة ولأنها عاصمة الثقافة العربية لعام 2009.
وأوصى المشاركون بإنشاء فضائية عربية متخصصة بالدراما فقط، وأن تكون تابعة إما لجامعة الدول العربية أو لأي جهة يتفق عليها على أن تقوم بإنتاج وعرض وشراء المواد الدرامية الخاصة بالقضايا العربية عموماً.
وقال السفير الفلسطيني في القاهرة نبيل عمرو: «خطر ببالنا موضوع هذه الندوة «فلسطين في الدراما العربية» عندما كنا نراقب الإنتاج الغزير في رمضان، وفتشنا عن أنفسنا، فكانت فلسطين الغائب عن هذا الإنتاج الكبير، وفلسطين التي أعني وأدعو للاهتمام بها في الدراما ليس النمطية «البطل المطلق»، بل نريد أن نرى فلسطين كما هي بتأثيراتها علينا كمجتمعات عربية، نريد نراها كما هي بالفعل على أرض الواقع».
وأضاف: «بحثت عن عمل متكامل عن القضية الفلسطينية في دراما رمضان، ولم أجد سوى «التغريبة الفلسطينية»، وتوقفت عنده، وأود الإشارة إلى أن المسلسل لم يعد في حياتنا مجرد مادة تلفزيونية تعرض، بل أصبح مؤثراً بشكل واضح على الحياة».
وتحدث الكاتب والسيناريست الدكتور وليد سيف مؤلف مسلسل «التغريبة الفلسطينية»، عن حجم تغطية الدراما العربية لقضايا الشعب الفلسطيني، موضحاً أن هذه القضية العادلة تعتبر منبعاً للأعمال الدرامية، وتستحق المزيد من المعالجات.
وأضاف: »هنالك حاجة ملحة لاستثمار الوسيط الإعلامي لمعالجة القضايا المختلفة للقضية الفلسطينية، إنهم يحاولون إظهار المسألة وكأنها نزاع على الحقوق بين جماعات، وليس «عدو» احتلالي يغتصب أرض الغير بالقوة، ومن هنا يجب أن يكون المثقفون العرب سدنة للقضية الفلسطينية، ونحن لا نتنازع مع «العدو »على الأرض بقدر ما نتنازع معه على الرواية والخطاب السياسي وذاكرة التاريخ».
وتطرق الكاتب والسيناريست أسامة أنور عكاشة إلى المشكلة الحقيقية التي تواجه الدراما العربية في التعامل مع القضية الفلسطينية، مشيراً إلى وجود إشكاليات حقيقية سببها سياسات الدول العربية. وقال عكاشة: «نؤكد أن الأعمال الدرامية خاضعة لسياسة الدولة بعيداً عن الشعارات التي تردد على ألسنة الزعماء، وللأسف لم يكن مرحباً الإنفاق على الدراما بما يخص الواقع الفلسطيني المعاش فعلاً».
ومن ناحيتها، أوضحت الفنانة فردوس عبدالحميد أن أساس العمل الدرامي هو الإنتاج، وقالت: «عانينا منذ 20 عاماً من ذلك، فهنالك أعمال كثيرة كتبت ولم تجد جهة للإنتاج لتنفذها، وعدم وجود جهة تنفذ العمل تجعل الأمر وكأنه لم يكن». وأوضحت أن الإنتاج متجه بالكامل لأن يكون منتجاً تجارياً، والمشكلة أن المنتجين غير متحمسين للقضايا المصيرية، مضيفة: «حتى نكون منصفين الموضوعات كثيرة والكتاب كثر، والمشكلة تتمثل بجهة الإنتاج».
وقال المخرج المصري محمد فاضل: «من الممارسة الطويلة في الدراما التلفزيونية أجد أن التناول الاجتماعي للمجتمع الفلسطيني، يحتاج لمعرفة الوجه الحقيقي المعاصر لهذا المجتمع، بما يحويه من علماء وفنانين ومبدعين، وحياة يومية معاشة سواء داخل الأسرة بمعاناتها، أو في المواجهة الحالية للاحتلال بعيداً عن التاريخية». وأضاف: «الدراما مطالبة اليوم بالتركيز وفي كل البلاد العربية على القضية الفلسطينية دون أن استثني أحداً».
وأشار المخرج فاضل إلى أن المخاطبة في الدراما يجب ألا تكون للجانب العربي، بل يجب الاهتمام بمخاطبة الآخر، الذي يجهل قضايانا وهمومنا التي نعيشها بشكل يومي، داعياً في الوقت ذاته لمخاطبة الأجيال الجديدة التي لا تعرف شيئاً عن قضايا أمتها وتعاني من سياسة التعتيم.
ومن ناحيته، قال المنتج حسين القلا: «إن الدراما ليست صانعة للأحداث وإنما مكملة لأحداث صنعها آخرون، ولذلك ليس مطلوباً الطلب بأن يحل العمل الدرامي مكان صانع القرار».
ورأى أنه حتى يمكن الخروج من مشكلة عدم إعطاء القضية الفلسطينية الحجم الذي تستحقه في الدراما بأنه مطلوب من السلطة الوطنية أو منظمة التحرير الفلسطينية، أو أي جهة فلسطينية مختصة بأن تستدعي الأطراف اللازمة لحثها للعمل لصالح القضية الفلسطينية، لأن ما بذل درامياً على المستوى العربي لصالح القضية الفلسطينية اندرج بالأساس تحت الجهد الفردي.
وشهدت الندوة مداخلات من عدد من النقاد والمثقفين والإعلاميين والسياسيين، ركزت على المطالبة بضرورة العمل لإقناع الجهات المعنية لإعطاء القضية الفلسطينية الحجم الذي تستحقه في الدراما، والدعوة للعمل لخدمة هذه القضية على مستوى الدراما التسجيلية أو الروائية على حد سواء، والإشادة بفكرة الندوة والمطالبة بتنظيم المزيد من الفعاليات للخروج بخطة عمل واضحة تقدم في النهاية للجهات ذات الاختصاص.
وتعقيباً على القيود والقوانين الموجودة بالوطن العربي عقب الدكتور وليد سيف قائلاً: «أرجو ألا تستغل القيود كمهرب لكي لا نقوم بواجبنا درامياً تجاه القضية الفلسطينية والقضايا المصيرية الأخرى، والنظام مهما كان صلباً يمكن أن نفتح ثغرات وبخاصة في المسائل المتعلقة بالصراع مع الاحتلال الإسرائيلي».
وأضاف: «من الصعب أن نجد عملاً متقناً عن القضية الفلسطينية وكاتبه لا يعايش الحياة الفلسطينية، وهذا يلقي عبئاً خاصاً على الكتاب والمبدعين الفلسطينيين، كما أنه علينا أن نأخذ بالحسبان أن معالجة القضية الفلسطينية يجب أن تتضمن ضمناً أو صراحة إظهار العمق العربي، وكذلك معالجة أية قضية عربية يجب أن تتضمن ضمناً أو صراحة القضية الفلسطينية».
واقترح مدير الإعلام في المركز الإعلامي والثقافي بسفارة فلسطين بالقاهرة محمود خلوف، تنظيم مسابقة لأفضل إنتاج درامي عن القضية الفلسطينية، ودعا لتخصيص المسابقة هذا العام لأحسن عمل يخص القدس لأن القدس هي عاصمة الثقافة العربية عام 2009. ووجه خلوف نقداً للدراما العربية، مشدداً على أنه كباحث إعلامي ومراقب ومواطن وفلسطيني يلمس مدى التقصير الكبير تجاه قضية شعبه.
وتطرق الإعلامي العراقي الدكتور رائد العزاوي إلى أهمية تركيز الدراما على الجوانب المشرقة لدى الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها الإبداع والتميز.
كما تطرق إلى الأثر الذي تركه لديه مشاهدة فيلم في إيطاليا عن الشباب الفلسطيني المتعلم، موضحاً أن ذلك الفيلم جعل الأجانب ممن شاهدوه ينظرون للفلسطيني نظرة أكثر إيجابية، لأنه أظهر أنه لا يوجد بيت لا يوجد فيه فلسطيني لم يواصل تحصيله العالي.
القاهرة ـ سباعي إبراهيم

