يعتبر «مارتن سكورسيزي» من أروع وأكثر المخرجين عبقرية في هوليوود لتقديمه أعمالاً خالدة لا تنسى، مثل الثور الهائج، نيويورك نيويورك، ملك الكوميديا، خليج الخوف وغيرها، مؤكدا على مر السنوات أنه المخرج « الشاعر» إلى الأبد، فأفلامه تشبه قصائد الشعر شكلاً ومضموناً، ولا تقتصر موهبته على الإخراج فقط بل تمتد إلى الكتابة وتمثيل بعض الأدوار الصغيرة المهمة والجميلة في الوقت ذاته.
ولا يمكن تصور أحد يعرف لماذا يُشعرك «سكورسيزي» في أفلامه بواقعيته السينمائية الشديدة وكأنه يصور أناساً يعرفهم حق المعرفة، همومهم وأحلامهم ومؤامراتهم وهواجسهم السرية، ولأنه فنان ـ مهووس بجمال ما يقدم وعمق ما يطرح ـ يصبح توصيفه بمخرج المكان الواحد له دلاله مرتبطة به دون سواه، فالمدن الموحشة والمنازل الكئيبة والشوارع الخلفية المظلمة والأزقة القذرة، سمات خاصة في أفلامه ذات المنحى المتقارب قصة وإخراجا، مثل : سائق التاكسي، شوارع خلفية، العشرة الطيبة، وكازينو..و«مارتن سكورسيزي» الذي لم تستدل الأوسكار له على طريق إلا عام 2006،أي بعد 27 عاما من عطائه السينمائي، حاله في ذلك حال كثيرين من عظماء السينما أمثال هتشكوك وسدني لوميت وهاورد هوكس وشابلن أيضا، لأنها هوليود بكل ما فيها من جنون وعتمة وأضواء فبمقدورها أ لا تصل لمن لا تريد.
هو مخرج نيويوركي بامتياز يحب المدينة ويكرهها بدرجة متساوية دون أن يتخلى عن أصله الإيطالي أو ينسى حتى ذكرياته الخاصة عن نشأته القاسية وهي تترك أثراً بليغاً عليه فيما بعد، لهذا تراه أجدر من يجيد التحدث بلغة سينمائية مؤثرة عن الصقليين المنحدرين من أصل طلياني، المفتونين بالعنف والمال والسيطرة ممن هاجروا إلى أميركا في العقد الثاني من القرن الماضي.أثبت «مارتن سكورسيزي» في جامعته أنه يملك موهبة حقيقية في الإخراج، فلم يتوان أبداً عن بدء حياته الفنية بسرعة، فقد شهد عام 1968 وعمره 28 سنة أول محاولة إخراجية حقيقية من خلال الفيلم الدرامي الذي كتبه بنفسه (Whos That A Knocking at My Door) مع الممثل الكبير هارفير كيتيل، وبعده كتب وأخرج بعض المشاهد في أفلام مثلBadge 373،Boxcar Bertha، Street Scenes. وكان عام 1973 عام الانطلاق الإخراجي الحقيقي لسكورسيزي فكتب وأخرج وظهر بدور صغير بفيلم الجريمة الدرامي عن حياة الشوارع الإيطالية القاسية «Mean Streets» الذي كان افتتاحية تعامله الطويل الرائع مع الممثل العملاق روبرت دي نيرو والممثل وهارفي كيتيل.
ولم يعط الجمهور فرصة ليأخذ نفسه حتى قدم رائعة جديدة عام 1974 وهي الدراما الكوميدية «Alice Doesnt Live Here Any more» مع الممثلة المخضرمة إلين بروستين، ترشح الفيلم لثلاث جوائز أوسكار وهي أفضل ممثلة إيلين بيرستين وأفضل ممثلة مساعدة ديانا لاد وأفضل سيناريو أصلي، وفازت إيلين بجائزتها عن جدارة. غاب عامين ليعود أقوى مما كان .
ولكي يثبت أنه لم يعد مجرد مخرج مغمور بل إنه مخرج العصر الحالي، فصعق العالم بالتحفة المثيرة «Taxi Driver» مع روبيرت دي نيرو ليكون ثاني عمل بينهما مع الكاتب بول شريدير. في عام 1978 أخرج الفيلم الوثائقي الشهير The Last Waltz عن الفرقة المعروفة Thanksgiving وأبدع لأبعد الحدود.
وكان عام 1980 هو الإثبات للجميع أن مارتن سكورسيزي هو أفضل مخرج في عالم السينما، حتى مع وجود فرانسس فورد كوبولا وستيفين سبيلبيرج، لأنهم اعترفوا بأن ما فعله بهذا الفيلم أصبح قدوة لكل المخرجين، ففيلم Raging Bull كان معقداً وغريبا لدرجة جماليه مبهره رغم استخدامه اللونين الأبيض والأسود مما أعطي للفيلم أسلوبا أسطوريا ولمسة سحرية كبيرة.
عام 1988 أثبت سكورسيزي أنه مخرج كامل فقدم مع وليم دافو الفيلم الديني التاريخي الكبير The Last Temptation of Christ، وعام 1989 اشترك مع فرانسس فورد كوبولا وودي ألين في إخراج الفيلم الدرامي الكوميدي New York Stories ومن تمثيل نيك نولتي، وشهد عام 1990 خروج واحد من أفضل أفلام الجريمة في التاريخ على يدي مارتن سكورسيزي حيث كتب وأخرج فيلم Goodfellas، والشيء الوحيد الذي نقص هذا الفيلم هي الجوائز فقط.
وفي عام 1991 قدم إعادة لفيلم الستينات المثير Cape Fear مع دي نيرو ونيك نولتي. ورشح الفيلم لجائزتي أوسكار وهما أفضل ممثل دي نيرو وأفضل ممثلة مساعدة جولييت لويس. وفي عام 1995 قدم مع الثنائي المفضل دي نيرو وجو باشي رائعتة Casino وكان هذا التعاون الثامن بينه وبين دي نيرو.
في عام 2002 قدم فيلمه الرائع Gangs of new york مع الممثل ليوناردو دي كابريو وحاز عنه علي جائزة الحولدن جلوب، واستحق هذه الجائزة بعد مشوار طويل من الابداع. وفي عام 2003 قدم بعض الأعمال التلفزيونية ولكن سريعا ما عاد في عام 2004 بفيلمه الرائع The Aviator كذلك مع الممثل ليوناردو دي كابريو ورشح الفيلم لخمس جوائز الأوسكار.
وفي عام 2006 تحقق ما كان يتمناه عندما مارس مهنة الإخراج وظفر بكل ما كان يحلم به عندما قدم في هذا العام فيلمه الأسطوري الرائع المبدع The Departed ـ المرحلون ـ وكان من بطولة جاك نيكلسون وليوناردو دي كابريو ومات ديمون، وحاز الفيلم على أعجاب الجميع من نقاد وجماهير وأحرز مارتن حلمه بتحقيق جائزة الأوسكار.
نجح «سكورسيزي» في الحصول علي كل ما يريده كفنان، ليس فقط بسبب مهارته التقنية وأسلوبه الفريد في التفاعل مع مفردات اللغة السينمائية لترجمة السيناريو من كلمات إلي صور، ولكن لإيمانه العميق بقناعاته وأفكاره وإصراره علي أن يظل يعالج الجوانب المعتمة في التاريخ الأميركي بجراءة وجودة تستحق التقدير.
دبي ـ أسامة عسل


