عندما يأتي الحديث عن المطرب السوداني الكبير محمد وردي، يعني الحديث عن خمسين عاما من الإبداع والعطاء، وبظهوره في منتصف الخمسينات وضع قدمه على سلم المجد، وفي الستينات حجز لنفسه مساحة كبيرة عند مستمعي الأغنية السودانية، واقتحم العقول والقلوب في إفريقيا، فأصبح فنان إفريقيا الأول بلا منازع، يحفظون أغنياته عن ظهر قلب، وهم لا يتحدثون العربية، وتفاعل مع قضايا شعبه، وأصبح الفنان السياسي، وعرفته السجون أيضا، وعاش في المنفى سنوات طويلة، حتى عاد إلى وطنه مؤخرا، واستقبله الملايين في مطار الخرطوم.
للفنان محمد وردي أكثر من 250 أغنية يحفظها الشعب السوداني عن ظهر قلب، جاب كل أنحاء العالم ليقدم الأغنية السودانية.. «الحواس الخمس» التقته وتحدث عن الفن والثقافة والمنفى والعديد من القضايا.. فهو إنسان جريء، محب، متمرد، وطني، يقول على نفسه: سأظل فنانا سياسيا إلى أن أموت.
تم تكريمك مؤخرا.. ماذا يمثل لك هذا التكريم من وزير الإعلام المصري أنس الفقي؟
إنها دعوة كريمة فلأول مرة في تاريخ الفن السوداني يكرم السودان في فنه، وعلى أي حال أنا اعتبره تكريما للسودان في شخصي، وأشكر مصر على هذا الاحتفاء الكبير، كما أتمنى أن يكون التعاون بين البلدين فيما بعد أكبر وأكثر تأثيرا.
هذا يقودنا إلى السؤال عن سبب غياب الفن السوداني عن ساحة الغناء العربي وعن الأذن العربية؟
هناك تقصير إعلامي سوداني، وهناك أيضا تقصير من الفنان السوداني الذي لا يريد أن يخرج من البوتقة التي حصر نفسه بها، وينطلق عربيا وإفريقيا، وربما تكون هناك ظروف يعتبرها البعض مبررا مثل اللهجة أو السلم الخماسي وغيرها، ولكن لا أعتقد أنها الحاجز الأساسي فعلى الكل الاجتهاد لإبراز الأغنية السودانية.
قيل إن هناك خلافا بينك وبين المطرب المصري محمد منير وإنك منعته من غناء أغنياتك؟
محمد منير يمثل حالة من الغناء أحترمها، لأنه فنان نوبي، وأنا لم أمنعه من غناء أعمالي، وعندما طلب أن يغني أغنيتي (وسط الدايرة) وافقت، وهو حفظ حقنا الأدبي، وكتب على غلاف ألبومه تلحين محمد وردي، واسم الشاعر وهو سوداني، ولكنه كان يغني لي أغنيات أخرى دون إذني في مهرجانات وحفلات فقطعت التعامل معه، ولكنني لم أمنعه من الغناء للأغنيات التي اتفقنا عليها.
هل غناء الفنانين المصريين للأغنيات السودانية سيحقق لها رواجا في مصر؟
نعم مثال على ذلك أغنية «وسط الدايرة» عندما غناها محمد منير حققت نجاحا كبيرا، لكن المشكلة أن هناك أغنيات أخرى كثيرة سُرقت، ولم يتم حفظ حقوق ملكيتها الفكرية، مثل محمد فؤاد عندما غني أغنية الفنان السوداني (شرحبيل احمد) الليل الهادي لم يذكر صاحبها، أو أن ينسبها له فكتب أنها تراث نوبي.
من المعقود عليهم الأمل من الفنانين والفنانات الشباب لينطلقوا بالفن السوداني إلى الخارج؟
لا يوجد شباب واعد في الساحة الفنية السودانية الآن، وتوجد حالة وعكة فنية عامة في الفن عموما؛ فأصبح الفن يتجه للهبوط، كما أن الأغاني في كل الوطن العربي منتكسة، والأجيال الجديدة تقدم أغاني التيك أواي وأقول إننا في حاجة إلى مراجعة عامة.
الذين يتجاوبون مع غناء القصائد هم قلة الآن هل السبب أن الشباب لا يستمعون لها؟
لا أعتقد ذلك..والدليل على ذلك أن أجيالنا غنت قصائد كثيرة وكبيرة، وأغلب المستمعين إليها هم شريحة الشباب فهم يعلمون أن هناك فنا، ولكن جيلهم من الفنانين ليس لديهم القدرة على العطاء وعلى غناء القصائد.
الفيديو كليب يعد شكلا من أشكال التوثيق ما رأيك فيه؟
الفيديو كليب له مردود إيجابي إذا كان سيراعي البيئة ويحترم التراث، أما ما يحدث الآن فلا أصفه إلا بأنه إسفاف فني أنا ضده ولا أوافقه، يعني أنا مثلا لا يمكن أن أجلس مع فتاة في خيمة في الصحراء أو وأنا طاير على (موتوسيكل) أو راكب على مركب، وأتراقص مع الفتيات لأن كل ذلك لا يتماشى مع سياق العمل، ولا يعبر عن موضوع الأغنية.
قلت «إن الفن عموما أصبح هابطا» دعنا نتحدث عن الفن السوداني خاصة لماذا أصبح هابطا؟
السبب في هبوط الفن السوداني هو أنهم أوقفوا أغاني، كما أعدموا أغاني كثيرة كانت في مكتبات الأجهزة الإعلامية، وعارضوا الأغنية، وكان هناك فنانون واعدون عانوا من الاضطهاد ليس ذلك فقط فالحكومة أوقفت تسجيل الأغاني في الإذاعة والتلفزيون، وأصف تلك الفترة بالكارثة ليست للفنان فقط، إنما للإنسان السوداني، وعندما عدت من أميركا العام 2002 وجدت الحال تغير وانفتاحا أفضل وهناك نهضة ناشئة.
في فترة هجرتك خارج السودان ما مدى تأثير الغربة عليك إيجابا وسلبا؟
أنا لم أهاجر بل كنت مكرها على الهجرة والتأثير الإيجابي أنني اكتسبت خبرات استطعت من خلالها تطوير الموسيقى والألحان.
من الفنان الذي يطرب محمد وردي ويستمع له؟
هناك أسماء كثيرة، ولكن أفضلهم فيروز وكاظم الساهر وهاني شاكر وأنغام وأصالة وشيرين.
وإذا أردت أن تقدم الآن دويتو من ستختار؟
رد بدون تفكير وكأن الفكرة تحوم في رأسه: الفنان هاني شاكر لأنه فنان جاد وموهوب وصوته قوي ويطربني.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية
