المهنية والاحتراف يطغيان على واقع الحياة الخاصة، وهامش الحرية يمهد للإعلامي نجاحاً يفوق التوقعات، أما الحجاب فهو لا يزيد عن كونه مربعاً صغيراً من القماش، لا يحمل أي فيروس معد، ولن يسبب مخاطر أو مفاسد مهما كان لونه، فيما الخلل راسخ في مخيلة القائمين على الفضائيات العربية الذين يرتعشون من حجاب المذيعة، بلا مبرر..
الحديث للمذيعة الجزائرية خديجة بن قنة، التي تعد من الجيل المؤسس لقناة الجزيرة الإخبارية التي تتخذ من دولة قطر مقراً لها.
وتبقى خديجة نموذجاً فريداً للمرأة العربية العصرية، امتزجت فيها صفات تبهر من يتحدث إليها، وتستحوذ على إعجاب وتقدير الجميع.. فعلى الشاشة لا نرى من وجهها سوى الجانب الجدي، وخلفها تميزها البساطة المطلقة، ولا تغادر محياها ابتسامة دائمة. التقيناها في دبي، حيث كانت في مهمة إعلامية، وجاء الحوار التالي:
ما الذي يربط خديجة بن قنة بقناة الجزيرة الفضائية؟
ما يربطني بها ليس راتباً شهرياً، بل حبا وانتماء وولاء، وأذكر حينما كنا في السنوات الأولى لتأسيس الجزيرة، نعمل ليلاً ونهاراً دون أن نعد الساعات، وفي الأزمات نتكاتف كخلية نحل في غرفة الأخبار، أما أنا فأشعر أني أعيش حالياً مرحلة خصوبة مهنية، وأنني لا أزال قادرة على العطاء في موقعي، خاصة وأن الجزيرة صنعت مني إعلامية ناجحة.
هل مهنة الإعلام ترضي فضولك وتحقق ذاتك وتطلعاتك؟
ما يشدني إلى هذه المهنة بالتحديد هو أنها مضادة للروتين، وتسمح لي بأن ألتقي أناساً من مختلف الأجناس والثقافات والمستويات، وليس سهلاً في مهنة أخرى غير الصحافة، أن تلتقي الفقير والغني، أو أن تحاور المواطن البسيط الذي يلهث وراء قوت أبنائه، ورئيس الدولة أو الحاكم.
كما يعجبني في هذه المهنة قربها من هموم الناس ومشكلاتهم والسعي لحلها.
بماذا يشترك مذيعو الجزيرة؟
الأمر الأبرز والمشترك بين المذيعين والمذيعات في قناة الجزيرة هو الجدية، فالجزيرة قناة فضائية جادة بمعنى الكلمة.
ربما تصل جديتها إلى حد الكآبة، كما يرى البعض.
إطلاقاً ليست الكآبة، فالجزيرة مهتمة بالإنسان العربي، وبالوقوف إلى جانب المظلوم، ومن فرط اهتمامها بالمآسي الإنسانية في فلسطين والعراق والصومال وغيرها، أصبح اسمها مرتبطاً بالكآبة والمآسي، وهذا الواقع ينعكس أيضاً على المذيعين، فنحن لسنا قناة ترفيهية وغنائية، أو فضائية برامج عائلية.
لماذا يتأثر ويتفاعل مذيعو الجزيرة كثيراً مع الحدث؟
بالتأكيد نتفاعل مع الحدث لأننا بشر، وفي الحقيقة والمهنية التي نتبعها لا يُطلب منا التفاعل ولا تتم برمجتنا لنتفاعل، فهذا الأمر شعور إنساني يخرج عفوياً، لأننا في النهاية بشر، لدينا مشاعر وأحاسيس، نتألم ونفرح، وهذه المشاعر قد تفلت من الإنسان، ويبقى كل جهدنا، التحكم بمشاعرنا إلى أبعد حد.
الحجاب.. ربما يعد التغيير الأبرز في حياة خديجة المهنية، فما الذي اختلف من بعده؟
لا شيء على الإطلاق، ولا أخفيك أن هذا السؤال أصبح يزعجني، لأنني أشعر وكأن الناس أصبحت تختصرني في الحجاب الذي أعتز به كثيراً، فهو ليس إلا جزءاً تفصيلياً من شخصيتي، وأنا لا أحب كثيراً أن نخلط الأدوار والمهام بسبب الشكل، ولهذا رفضت الاستمرار في تقديم برنامج الشريعة والحياة لأن الحجاب واللحية ليسا معيارا للتخصص في المهنة أو في الدعوة.
وحالياً توجد مذيعات كثيرات يرتدين الحجاب، خاصة في دول الخليج، فالعديد من الفضائيات لا ترى حرجاً في أن ترتدي المذيعة حجاباً، والأمر يحمل أبعاداً شخصية وحسب، وأتمنى أن تنتقل هذه النظرة إلى قنوات تلفزيونية أخرى عربية.
لماذا برأيك يهاجم الحجاب في كثير من الدول والمناسبات؟
أولاً دعني أخبرك أن الحجاب الذي تراه على رأسي هو مربع صغير من القماش، لا يحمل أي فيروسات معدية، ولا يسبب أبداً أية مخاطر أو أضرار أو مفاسد، بل على العكس من ذلك، في حين أن المشكلة موجودة لدى القائمين على الفضائيات ورجال السياسة، الذين يخشون من انتقال هذه العدوى، بحكم أن الإعلامية شخصية مؤثرة في المجتمع، فيخافون أن تقتدي بها الفتيات، لكنهم يتناسون أو يجهلون أن أكثر من نصف نساء العالم العربي من المحجبات.
إذاً، أنت داعية للحجاب؟
أنا لست داعية، لكن فلسفتي في الدعوة أن أحملها في سلوكي كامرأة مسلمة، ولا أدعي أني مجرد أن وضعت الحجاب أصبحت داعية، فالداعية يجب أن يكون ملماً بأمور الدين، وقد نهل من بحره ما يكفيه لأن يؤثر على غيره.
بعد ارتدائك للحجاب، هل لمستِ تأثراً بالـ «لوك» الجديد لخديجة المذيعة؟
بعض المشاهدات وحتى الزميلات الإعلاميات أبدين تأثراً نسبياً، وقد لمست هذا الشيء من خلال رسائل وصلتني إلى قناة الجزيرة، وهنا أقول: لا أزعم أني رائدة الحجاب، وكل ما لدي أنني أؤمن مطلقاً أنه حرية شخصية، فلكل إنسان حرية فيما يأكل ويلبس ويفعل.
وأتمنى أن توفر الحرية التي تضمنها القوانين والأعراف، الحماية للحجاب والمحجبات، ومثلما نحترم حرية الكثيرين في كل شيء وفي اللباس مهما كان شكله أو مضمونه، عليهم ـ أقصد السياسيين وحتى قاع المجتمع من المعارضين للحجاب ـ احترام الحجاب والمحجبات، فما نسمعه للأسف، هي أخبار عن وضع مادة في الدستور تمنع الحجاب في دولة ما، وتصريحات ضد تلك القطعة، فالسياسيون حولوا الحجاب إلى قضية رأي عام!.
كيف كان صدى الحجاب في قناة الجزيرة؟
في الجزيرة لا أحد يتحدث عن حجابي، والمسألة لا تتعدى حيز الحرية الشخصية، فمنذ اليوم الأول من ارتدائي الحجاب، تقبل الجميع وجهة نظري وتعاملوا معي وكأن شيئاً لم يكن، فالمهم في تلك القناة التي يعمل فيها أكثر من 20 مذيعاً ومذيعة هو معايير الكفاءة والمهنية وحسب.
تتهمين كثيراً أنك منحازة إلى المرأة العربية، ما صحة ذلك؟
ليس انحيازاً، بل أشعر أن المرأة في عالمنا لا تزال مظلومة، ولا تزال الثقافة السائدة في المجتمع العربي ذكورية، ولا استثني منها أحداً، فالرجال يقررون وحدهم مصيرنا، ولا يشركون المرأة في قرارات كثيرة.
وفي الحقيقة أنا منزعجة بسبب الظلم والإهمال الواقع على المرأة، الجميع يعرف البطلة التاريخية جميلة بوحيرد التي ثارت في مقدمة الصفوف ضد الاستعمار الفرنسي للجزائر، وهذه السيدة أحيلت إلى «المطبخ» بعد استقلال البلاد، والحجة دورها قد انتهى!.
على ذكر المطبخ، ماذا عن دور خديجة بن قنة في المنزل؟
في البيت، الأولوية عندي لزوجي ولأولادي، وهذا طبيعي، فساعات العمل الطويلة تجعلني أشعر.
حوار - عنان كتانة
