حمى العرض التلفزيوني في أيام وليالي شهر رمضان المبارك لم تهدأ أبدا، بل إن الكل يرفع شعار لا للراحة أو الانتظار، آخر صرعات العمل من أجل ساعة عرض في رمضان جاءت بين المخرج التونسي شوقي الماجري وشركة طارق زعيتر وشركاه، للتحضير لمسلسل تلفزيوني تاريخي يتناول سيرة المجاهد العربي الليبي عمر المختار.
فقد قال طارق زعيتر إن الاستعدادات بدأت بالفعل لاختيار كاتب العمل واختيار الممثلين الذين سيقدمون الأدوار الرئيسية للعمل، وذلك بعد أن تم التوافق مع قناة الليبية التي تتشارك في إنتاج العمل على أن يتم المخرج التونسي شوقي الماجري زمام الإعداد للعمل.وعن النص، أشار مخرج أسمهان، شوقي الماجري أنه يدرس حالياً عدداً من المصادر التاريخية والمراجع التي تستعرض حياة الشيخ المجاهد، لكنه حتى اللحظة لم يتم التوصل لاختيار الكاتب الذي سيقوم بكتابة حلقات العمل، غير أنه من ناحية رؤية إخراجية يرى أن العمل سيتناول تفاصيل حياة عمر المختار من قبل إلتحاقه بالثورة، وعلاقته بالأحداث ووضع ليبيا في ذلك الوقت، ومن ثم إلتحاقه بالثورة، عبر استعراض واقعي اجتماعي للتاريخ الاجتماعي الليبي في ذلك الوقت، والموروث الشعبي والبيئة والثقافة بكل تفاصيلها.
وأوضح الماجري: عمر المختار سيرة غنية بالأحداث والوقائع كونها ارتبطت بوقائع الثورة الليبية العربية، ومرحلة الاحتلال الإيطالي، حيث يجري حالياً الإعداد للعمل ضمن إمكانيات عالية جداً.
ومن ناحية الفرق بين العمل الدرامي والفيلم الذي سبق إنتاجه سابقاً، أشار المشري إلى أن العمل الدرامي الجديد سيكون اشمل وأوسع وأكثر تفصيلاً من ناحية الجغرافيا والزمان في تناول مرحلة الثورة والبيئة وحياة المختار، فالفيلم كان مختزلاً في تناول الاستقلال فقط، وتناول ما مدته سنة وثمانية أشهر من حياة الشهيد المختار، بالإضافة لأنه سيكون أغنى في تفاصيله الاجتماعية واستعراض الحياة الليبية في تلك الحقبة الزمنية.
وحول الشخصية المرشحة لأداء دور عمر المختار التي قدمها في الفيلم السينمائي الممثل العالمي أنطوني كوين، أضاف زعيتر أنه جاري البحث عن وجه جديد يكون قادرا على حمل هذه المسؤولية التاريخية كون العمل سيكون شهادة حية حول مرحلة الثورة وتاريخ المختار.
وأشار إلى أنه قد تم تشكيل فريق عمل ليقوم بالترشيحات وإنتقاء المصادر التاريخية، يتكون من خبراء عرب وأجانب، حيث بدأ هذا الفريق بالتعاون مع عدة مراكز بحوث ودراسات وعلى رأسها مركز الجهاد الليبي والذي دون لتلك المرحلة بأسلوب عصري يحفظ كافة جوانب تلك الحقبة الزمنية من صور ومخطوطات ورسائل ووصف دقيق للمعارك، بالإضافة للروايات الشفوية من أناس عاصروا مرحلة المختار، وكذلك الأرشيف الإيطالي للوصول لأكثر مصداقية في تجسيد العمل.
يذكر أن الشيخ الشهيد عمر المختار ينتسب إلى قبيلة المنفه إحدى قبائل المرابطين ببرقة شرقي ليبيا على الحدود المصرية، ولد عام 1862م في قرية جنزور بمنطقة دفنة، تربى يتيما بعد أن وافت المنية والده مختار بن عمر وهو في طريقه إلى مكة المكرمة بصحبة زوجته عائشة.
وعاش المختار حرب التحرير والجهاد منذ بدايتها يوماً بيوم، فعندما أعلنت إيطاليا الحرب على تركيا في 29 سبتمبر 1911م وبدأت البارجات الحربية بصب قذائفها على مدن الساحل الليبي، درنة وطرابلس ثم طبرق وبنغازي والخمس، كان عمر المختار في تلك الأثناء مقيما في جالو بعد عودته من الكفرة وعندما علم بالغزو الإيطالي سارع إلى مراكز تجمع المجاهدين حيث ساهم في تأسيس دور بنينه وتنظيم حركة الجهاد والمقاومة، وقد شهدت الفترة التي أعقبت انسحاب الأتراك من ليبيا سنة 1912م أعظم المعارك في تاريخ الجهاد الليبي.
وبعد الانقلاب الفاشي في إيطالي في أكتوبر 1922، واثر الانتصار الذي تحقق في تلك الحرب إلى الجانب الذي انضمت إليه إيطاليا، تغيرت الأوضاع داخل ليبيا واشتدت الضغوط على السيد محمد إدريس السنوسي، واضطر إلى ترك البلاد عاهداً بالأعمال العسكرية والسياسية إلى عمر المختار في الوقت الذي قام أخاه الرضا مقامه في الإشراف على الشئون الدينية.
وبعد أن تأكد للمختار النوايا الإيطالية في العدوان قصد مصر عام 1923م للتشاور مع السيد إدريس فيما يتعلق بأمر البلاد، وبعد عودته نظم أدوار المجاهدين، فجعل حسين الجويفي على دور البراعصة ويوسف بورحيل المسماري على دور العبيدات والفضيل بوعمر على دور الحاسة، وتولى هو القيادة العامة.
وفي 11 سبتمبر من عام 1931م، وبينما كان الشيخ عمر المختار يستطلع منطقة سلنطة في كوكبة من فرسانه، عرفت الحاميات الإيطالية بمكانه فأرسلت قوات لمحاصرته واتبعتها تعزيزات، واشتبك الفريقان في وادي بوطاقة ورجحت الكفة للعدو فأمر عمر المختار بفك الطوق والتفرق، ولكن قُتلت فرسه تحته وسقطت على يده مما شل حركته نهائياً.
فلم يتمكن من تخليص نفسه والدفاع عن نفسه، فحاصره العدو وتعرفوا على شخصيته، فنقل على الفور إلى مرسى سوسة ونقل إلى بنغازي حيث أودع السجن الكبير بمنطقة سيدي اخريبيش.
وبعد الغزو الإيطالي على مدينة اجدابيا مقر القيادة الليبية، أصبحت كل المواثيق والمعاهدات لاغية، وانسحب المجاهدون من المدينة وأخذت إيطاليا تزحف بجيوشها من مناطق عدة نحو الجبل الأخضر وفي تلك الأثناء تسابقت جموع المجاهدين إلى تشكيل الأدوار والإنضواء تحت قيادة عمر المختار، كما بادر الأهالي إلى إمداد المجاهدين بالمؤن والعتاد والسلاح.
ويوم 15 سبتمبر 1931م أعلن عن انعقاد «المحكمة الخاصة» للمجاهد البطل وتم الحكم عليه بالإعدام في محاكمة غير عادلة. وفي صباح اليوم التالي للمحاكمة الأربعاء، 16 سبتمبر 1931م اتخذت جميع التدابير اللازمة بمركز سلوق لتنفيذ الحكم بإحضار جميع أقسام الجيش والميليشيا والطيران، واحضر 20 ألف من الأهالي وجميع المعتقلين السياسيين خصيصاً من أماكن مختلفة لمشاهدة تنفيذ الحكم في قائدهم.
وفي تمام الساعة التاسعة صباحاً سُلم الشيخ إلى الجلاد، وكان وجهه يتهلل استبشاراً بالشهادة وكله ثبات وهدوء، فوضع حبل المشنقة في عنقه، وقيل عن بعض الناس الذين كانوا على مقربة منه انه كان يؤذن في صوت خافت آذان الصلاة، والبعض قال انه تمتم بالآية الكريمة «يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية» ليجعلها مسك ختام حياته البطولية. وبعد دقائق صعدت روحه الطاهرة النقية إلى ربها.
عمان - لقمان اسكندر

