على الرغم من التميز الذي تحظى به الأغنية النوبية، فإنها لم تحظ بالانتشار الذي يتلاءم مع مكانتها، فلم تكتسب أرضا واسعة في الفضاء المصري؛ على الرغم من انطلاقتها عبره، بينما في المقابل وجدت متنفسا فسيحا لها في الخليج العربي..
والتاريخ يذكر أن المصريين تلقفوا بحفاوة الأغنية النوبية من الفنان الأسمر محمد منير.. إلا أن رموز الطرب النوبي فشلوا في الخروج بها من الدائرة الضيقة جنوب مصر، برغم أن الأغنية النوبية تعبر عن واقع شعب منتشر يمتد من جنوب مصر إلى شمال السودان.وبرزت في أوقات مثيرة، فوصلت إلى قمة ازدهارها عن طريق الفنان أحمد منيب الذي يعتبر أول من عزف العود بشكل احترافي في بلاد النوبة، حيث قدم مع الشاعر محيي الدين شريف أغنيات في قالب حديث اعتبره النقاد توليفة جديدة تجمع بين الموسيقى النوبية والشرقية في آن واحد، وكان لمنيب دور كبير في وجود الأغنية النوبية في شتى أنحاء مصر وقتها.
قد لا يعرف كثيرون أن الاهتمام بالأغنية النوبية في مصر كان له خلفيات سياسية، فقد طلب الرئيس جمال عبد الناصر في إطار اهتمام ثورة يوليو بتوطيد العلاقة مع السودان وجنوب مصر ببث الموسيقى النوبية عبر الإذاعة المصرية، للتأكيد على الدمج بين شعبي وادي النيل من جهة، وللتأكيد على مصرية النوبة من جهة أخرى.
في حقبة السبعينات بدأت الأغنية النوبية في الانتشار مع صعود نجم الشاعر عبدالرحيم منصور، وفي التوقيت نفسه برز المطرب الشاب محمد منير، وانطلقا معا ليقدما مجموعة من الأغاني والألحان النوبية منها (أم الضافير، افتح قلبك، الليلة يا سمرا، شجرة الليمون، حدوتة مصرية) ليحرك الثلاثي منيب وعبد الرحيم ومنير الأغنية النوبية من التغييب التام إلى حيز الأضواء الخافتة..
لكن رغم هذا الجهد المبذول الذي تضمن تجارب مزدهرة أخرى لمطربين ظهروا في حقبة التسعينات أمثال حسن عبدالمجيد صاحب الأغنية الشهيرة «بحرف النون».. لم تأخذ الأغنية النوبية حيزا كبيرا من المكانة التي تستحقها.
وبين صعود وهبوط للأغنية النوبية، ثار تساؤل حول سر اختفائها عن الساحة الغنائية المصرية مقارنة بصعودها في دول الخليج ونجاحها هناك، إضافة إلى عدم إقبال المطربين عليها، وبحسب المطرب محمد منير الذي عبر عن حزنه لاختفائها من الساحة المصرية، فإن «الأغنية النوبية» تمثل له حالة خاصة جدا ليس فقط لأنه ينتمي لأصول نوبية، لكن أيضا لقيمتها الفنية العريقة..
يقول منير: «اعتبرها جزءا من الوطن الذي لا يمكن أن يتجزأ، قدمت من خلالها عددا كبيرا من الأغنيات الناجحة، 37 أغنية منها من ألحان أحمد منيب، والذي أعتبره أيضا حالة خاصة و«أب روحي لي»، ومازلت أحرص حتى الآن على تقديم الأغنية النوبية في ألبوماتي وفي ألبومي الجديد «طعم البيوت» قدمت أغنية «نيجري به».
ويطالب منير بضرورة الاهتمام بالأغنية النوبية ورد الاعتبار إليها، ويقول: أنا لست مع من يقولون إن اللهجة النوبية سبب ابتعاد المطربين عنها لصعوبتها، أو لأنها تعتمد على موروثات شعبية، كما أنها ليست مقتصرة على ذوق معين أو نوعية معينة، وخير دليل على سهولة استيعابها انتشارها خليجيا.
بدوره، قال المطرب والملحن عصام كاريكا: بالفعل أصبحت الأغنية النوبية بكل ما تحمله من معان وموسيقى في غياب يوم بعد يوم، مع أنه يفترض أن تكون الأقرب إلى المصريين، لاسيما أن مصر بها جمهور نوبي في محافظة أسوان.. فأصبحت تتواجد فقط من خلال الأفراح والاحتفالات النوبية، وهو بالطبع شيء مؤسف، على الرغم من أن هذه الأغنية حققت صدى قويا في الخارج، لاسيما في الخليج، بدليل أن الأغنية النوبية وصلت إلى مراتب عالية على يد عمالقة الغناء النوبي أمثال أحمد منيب وعلي كوبانا.
موضحا في هذا الصدد أن منيب كان السبب في انتشارها، خاصة من خلال الدويتو الذي جمعه مع محمد منير، كما وصل علي كوبانا بالأغنية النوبية إلى العالمية، وكانت أغنياته السبب في أن يطلب المطرب العالمي جيمس بروان من كوبانا مشاركته في عدة حفلات بأمريكا، كما حققت أغانية صدى قويا في الخليج.
كاريكا أشار إلى أنه من أصول سودانية، وأنه كوّن فرقة نوبية حققت نجاحًا كبيرًا بالدول الأوروبية، وليست الخليجية فقط، معربا عن اعتقاده أن السبب وراء اختفاء نوعيات من الأغنيات يتمثل في القائمين على شركات الإنتاج والمبدعين الذين أصبحوا ينظرون إليها باستخفاف، وكأنها مجرد عمل يمكن تقديمه في قالب «كاريكاتيري».
يشير الأبنودي إلى أن الأغنية النوبية ظلت بداية من الستينيات وحتى التسعينيات ما بين اختفاء وتواجد، وإن كانت قبلها شهدت ازدهارا لفترة طويلة، واستطاعت إجبار العديد من المطربين للاتجاه إليها؛ على الرغم من تخوفهم الشديد، والدليل أن اللون الصعيدي نجح فيه عبدالحليم حافظ عندما قدم أغنية «التوبة».
. فينبغي ألا نحصر الأذواق في اتجاه معين، بل يجب أن تترك مفتوحة لكي يحدث تنوع واختلاف، فمثلا حليم كان معروفا بالرومانسية، ومع ذلك نجح نجاحا كبيرا في أغنيات أخرى منها الوطنية والدينية.. وأرى أن أجدر مطرب حاليا لتقديمها هو منير ليس فقط لكونه من أصول نوبية، لكن لأنه فنان بمعنى الكلمة..
وبالنسبة لي فالأغاني النوبية والصعيدية ليست فنا عاديا، بل هي جزء لا يتجزأ من شخصيتي، وأعتقد أنه مهما حدث ستظل هذه الأغنية موجودة ولن تندثر أبداً.
ويرى حلمي أن الأغنية النوبية لن تنال مساحة في مصر أكثر من ذلك؛ أما سبب نجاحها في الخليج فلأنها أقرب إلى موسيقى أهله ولهجاته.
بينما أكد الملحن والموزع هاني شنودة أن التفاف الذوق السمعي حول لون معين سبب اختفاء الأغنية النوبية، وأيضًا بسبب تجاهل الإعلام المصري لهذه النوعية التي حققت صدى ونجاحا قويا عبر عشرات السنين.
الرؤية نفسها يتفق معها الموسيقار د.أحمد الجبالي حيث يؤكد أن السبب الحقيقي وراء اختفاء الأغنية النوبية هو تجاهل الإعلام لها؛ على الرغم من أنها تتميز بمقومات الأغنية العالمية، لأنه يستخدم فيها السلم الخماسي وهو ما يعادل الجاز والروك، ولو أتاحت الظروف لها الفرصة ستكون منافسة للعديد من الألوان الغنائية الأخرى، فهناك عمالقة في هذه النوعية أمثال الراحل محمد حمام وعلي كوبانا الذي قدم حفلات في أوروبا وأمريكا وحظيت أغنياته بردود فعل قوية.
الجبالي نفى أن يكون سبب اختفائها وجود أزمة في الكلمات أو الألحان طالما ظل الفولكلور النوبي موجودا، موضحا أنه عندما يريد أحد المنتجين تقديم هذا اللون يأتي فقط بالفنان محمد منير لأنه فنان معروف ومتواجد إعلاميا، دون أن يعطوا الفرصة لغيره.
القاهرة- دار الإعلام العربية

