بعد طول انتظار، جاءت الممثلة الفرنسية كاترين دونوف إلى العاصمة اللبنانية بيروت، محملة بنصف قرن من تاريخ السينما، من نجومية، وايضاً من هيبة ونزوة. جاءت لتقدم فيلم (أريد أن أرى) «بدي شوف»، للثنائي خليل جريج وجوانا حاجي توما، حيث لعبت دور البطولة، وهو الفيلم الذي التقطت مشاهده في الجنوب اللبناني والعاصمة، غداة انتهاء حرب الأيام ال33 في شهري يوليو وأغسطس عام 2006.
زيارتها كانت الثانية إلى لبنان في غضون سنتين. المرة الأولى كانت من أجل التصوير، والثانية من أجل تقديم ما صورته. بدت الممثلة الستينية هادئة، خارج وقار التكلف والادعاء. أرادت لزيارتها أن تليق بالهدف الانساني والثقافي النبيل الذي تحدت من اجله الأخطار ووقفت قبالة كاميرا الثنائي جريج وتوما حشد المصورين الذين التفوا حولها، علاوة على هيصات الجمهور التي جاءت تكريماً لها عند دخولها صالة السينما، كانا كافيين لتشعر كأنها في واحد من هذه المهرجانات الكبيرة التي تجول عليها باستمرار. أما نحن الذين عرفناها من خلال أفلام كبار السينمائيين، أعدنا اكتشافها أمس امرأة رصينة ومتحفظة، ابتسامتها خجولة وقليلة، على غرار الأدوار التي لعبتها طوال حياتها الغنية بالمحطات الحاسمة.
في حين كان المتفرجون قبالتها دليلاً على بلد يتعافى مجدداً بعد حرب يوليو التي مشت على ركامها الجنوبي مع الممثل ربيع مروة في فيلم «بدي شوف». ودونوف أضحت أسطورة الشاشة الفرنسية مذ لعبت في «جميلة النهار» للمخرج الاسباني الأصل لويس بونويل. ويحار المرء من أين يبدأ الكتابة عن نصف قرن من تاريخ سينمائي، وهي رمز من رموز السينما الشعبية وسينما المؤلف في الوقت ذاته.
رافقت الممثلة الكبيرة أجيالاً عدة من المشاهدين، لكنها في فيلم «بدي شوف»، سلّمت نفسها لمغامرة غير محسوبة النتائج، بلا سيناريو وبلا حوارات مكتوبة سلفاً، لمخرجَين ينجزان فيلمهما الروائي الطويل الثالث، ومن دون أيضاً أن تحسب حساباً للأخطار المترتبة عليها، جسدياً ومعنوياً خلال إقامتها في بيروت، التقيناها في حوار ل«الحواس الخمس»، وفي ما يأتي التفاصيل:
هل تساءلت خلال تصوير فيلم «بدي شوف» ماذا تستطيع السينما في زمن الحرب والمأساة؟
أبلغ مثال على ما تستطيع السينما هو ما أنجزناه. أعني الفيلم الذي أنجزناه: عمل روائي ينطلق من دعائم بسيطة الشأن، انسانية، سهلة، ويتيح المجال لمشاهدة أشياء من حياتنا، ولا يفرض عليك رؤية معينة وأخلاقيات خاصة به.
نحن أمام احتمال من نوع آخر، فكان هناك دوماً خطر من أن تدهمني المشاعر والانفعالات من حيث لا أدري، وهذا ما أردت تفاديه، وخصوصاً عندما تكون هناك آلة تصوير مصوّبة في اتجاهك وتصوّر تحركاتك. لم أرد أن أفرض على المشاهدين شيئاً.
ولا أن أضعهم في اتجاه لم يكن في الضرورة الاتجاه الصحيح. فما بالك لو فرضت عليهم أن يروا الواقع من خلال مشاعري.. كل ما أردته في هذا المشروع هو أن اكون الشاهدة، هذه كانت الفكرة.
كيف تلقيت خبر تحول الفيلم من قصير إلى طويل؟
أصبت بالدهشة، حين علمت ب«خبر الفيلم الطويل». ثم قلت: لِمَ لا؟ ما دام المشروع على مرتبة عالية من الغرابة، فما المانع من أن يتحول إلى فيلم طويل، كونه أيضاً مشروعاً على قدر كبير من التجريب. أيا يكن، فأكثر ما أدهشني في «بدّي شوف» هو الرحلة التي أجريناها. أجد مشهد البداية في الفيلم، مشهد الحفل الذي يعود ريعه إلى الأعمال الخيرية، مهما جداً، لأنه كان حجة لكي آتي إلى هذه السهرة وتتاح لي المناسبة في الوقت ذاته، أن يقترح عليَّ أحدهم مشواراً قلما يُقترَح عليَّ.
كان عندي إحساس بأنني شاهدة يجري تصويرها، وهي كمرشدة مهمتها أن تبيّن للآخرين صوراً من هذا المكان المنكوب، هذا المكان الذي لا شك في أنه أعيد اعماره اليوم بالكامل. من مزايا السينما أنها تتيح إنجاز هذه الصور والاحتفاظ بها، كي لا نعيد كتابة التاريخ، فقط بالكلمات، وفق مصلحة كل واحد ومنطقه.
البعض اعتبر انه تم استغلالك في هذا الفيلم من جانب المخرجين؟
لا.. لم أستغل إطلاقاً وبتاتاً، والسبب هو انني أعطيت موافقتي وأنا اعرف مسبقاً خطوط المشروع العريضة. أن يجري استغلالي يعني أن آتي إلى لبنان من أجل تنفيذ اقتراح ما، وأن أجد نفسي في قصة مغايرة لتلك التي أتيت من أجلها.
هل أنت مستعدة لمعاودة الكرة والتصوير في ظروف مماثلة؟
لا أستطيع أن أضمن لك ذلك، لأننا إزاء حالة فريدة. لن أقول لك انني سأهرع غداً إلى أفريقيا لأصوّر فيلماً هناك. أياً يكن، لن أفعل ذلك في الحال. السبب الأبسط هو أنني مرتبطة بتصوير أفلام عدة. قد يقترح عليّ أحدهم شيئا يجذبني وأوافق عليه، شرط أن لا يكون تكراراً للشيء ذاته.
السينما عالم واسع. لست نوستالجية ولا حنين عندي إلى حقبات ماضية من تاريخ السينما، علماً اني اشعر بأسى من أن بعض كبار السينمائيين الذين عملت وإياهم مضوا. اعتقد حقاً انني استفدت من كل شيء أتيح لي أن استفيد منه، وعملت مع كبار الأسماء. طبعاً من أصل مئة فيلم شاركت فيها تمثيلاً، أنا نادمة على عدد منها.
الاسم: كاترين دونوف
البلد: فرنسا
مواليد: عام 1943
الإقامة: باريس
المهنة: ممثلة سينمائية وتلفزيونية
في السينما: 100 فيلم
أشهر أفلامها: «جميلة النهار»
إنجازات: جوائز في مهرجانات فرنسية ودولية
بيروت ـ هوفيك حبشيان



