بعد سلسلة الأعمال المسرحية الغنائية التي أذهل بها الرحابنة الجمهور لا سيما «آخر أيام سقراط» و«المتنبي» و«حكم الرعيان» و«زنوبيا».. وانتهاء بالعمل الأسطوري «عودة الفينيق» ، ماذا يخبئ مبدعو المدرسة الرحبانية في جعبتهم من مفاجآت جديدة هذا ما كشف عنه المخرج مروان الرحباني الذي أعلن أن الرحابنة سيفجرون قنبلة فنية من العيار الثقيل في شهر مارس المقبل، وسيكون عبارة عن عمل لم يسبق له مثيل، ويتناول الحضارة والفكر العالميين، وسيشارك فيه عدد كبير من الفنانين العرب.

والرحابنة لا يجدون متعتهم في تقديم الأعمال الفنية المختلفة والإبداعية فقط، بل هم وطنيون مخلصون بدءاً بحملهم لواء الدفاع عن القضية الفلسطينية، وقضايا الوطن العربي وهم مناضلون ضد الظلم والطغيان، من دون الإساءة لأحد.والمسرح الرحباني يتمتع بخصوبة غريبة، فهو يقدم كل موسم مواهب عبقرية جديدة في مجالي الغناء والتمثيل. التقينا مروان الرحباني المؤلف والمخرج في دبي، حيث يقيم منذ سنوات طويلة، ويعمل في مجال الإنتاج الفني والإخراج، من خلال شركة «رحباني برودكشن» ومقرها الرئيسي في مدينة دبي للاستوديوهات، وحاورناه حول النشاط الحالي للرحابنة، والمشاريع المستقبلية، وسر الإبداع والتفوق الذي وصلت إليه أسرة الرحابنة وعلى رأسهم عميد الأسرة منصور الرحباني.

بداية، كيف تتم عملية انتقاء أعمالكم المسرحية أو الغنائية والموسيقية، وهل يجري عملياً استمزاج الناس، حتى يكون هناك تناغم بين ما سيقدمه الرحابنة من فكر وما يمكن أن ينشط الذاكرة، ويحيي الأمل في النفوس؟ السؤال مهم، عندما يقوم الأستاذ منصور بالبحث عن مادة مسرحية غنائية، يشعر أن الموضوع «بيندهلك» أو أن الشخصية «بتندهلك» ولست أنت الذي يبحث عنها. لقد بدأ مسرح الأخوين رحباني منصور وعاصي، واستمر مع منصور رحباني منذ العام 87 حتى يومنا هذا وسيستمر. لقد بقي الرحابنة عالقين في ذاكرة الناس منذ الخمسينات وحتى يومنا الحالي، لأن ما يقدمونه لا يذهب هباء بل يستقر في قلوب الجماهير قبل عقولهم.

وسبب النجاح أن أعمال الرحابنة طالعة من الأرض ومن تطلعات الناس وآمالهم، هم موجودون على هذه الأرض منصهرون مع الناس. نحن نعيش معهم، ونأكل معهم، ونجوع معهم، ونصرخ معهم. فمشكلات الناس هي مشكلاتنا، ولم نهبط من كوكب آخر أو نأتي من قارة أخرى. نحن موجودون في الأرض ومجبولون بترابها.. وأي شيء يمكن أن تكتبه، تكتبه بصدق ومن دون خوف وعقد يصل إلى قلوب الناس.

لكن الأكيد مع كل ذلك أن هناك عبقرية أكيدة للوصول إلى الناس، والناس بكل طبقاتهم من الأستاذ الجامعي والفيلسوف والشاعر والصحافي والطبيب إلى سائق التاكسي، للعامل في الحقل، كل طبقات المجتمع..لذا يفهم الناس على مختلف مشاربهم ونحلهم مسرحيات الرحباني.

أنتم أبدعتم المسرح الغنائي، والوحيدون الذين يقدمون هذا المسرح اليوم في الوطن العربي، فهل يمكن تطوير هذا المسرح ليقدم أوبرا أو أوبريت، وما مستقبله برأيكم؟

لقد اختار الأخوان رحباني المسرح الغنائي منذ الخمسينات ، وليس هناك مسرح غنائي بالشكل الذي يقدمه الرحابنة. وليس هناك مسرح غنائي سوى مسرح الرحابنة. ولا نزال في البدايات وأول الطريق، والله يعطينا العمر، وسنفعل أموراً كثيرة. إن كل كاتب وكل مخرج يعتقد أن العمل الذي قدمه هو الأول في كل مرة يقدم عملاً جديداً.. وحتى لو بلغ عدد أعماله 70 عملاً.

يظل كل عمل هو الأول الذي يقوم به، أما في ما يتعلق بتطوير مسرحنا الغنائي ، فالعالم كله يعتبر أن المسرح الغنائي الذي نقدمه هو عمل متطور، ولذلك فنحن بعيدون عن الأوبرا، فالأوبرا ابتكار قديم، وأولاً وأخيراً، الأوبرا تعني تقديم قصائد وأناشيد على المسرح، ولكنها ليست مسرحاً غنائياً، مواضيع الأوبرا بسيطة ولطيفة. فالكلمة ليست مهمة حتى الموسيقى، هذه نقطة.

أما النقطة الأخرى فالمسرح الغنائي الرحباني تراجيدي كوميدي ويقدم الكوميديا السوداء، وبالمقابل فإن المسرح الأنجلوسكسوني الأميركي بالإنجليزي، الذي نراه على خشبة مسرح برودواي في نيويورك، هو مسرح ميلودرامي. حدوتة حلوة وبسيطة، أما المسرح الغنائي الرحباني فهو تراجي - كوميدي ، وكوميديا سوداء ، وهذه أعلى وأرقى درجات العمل المسرحي.

وبعيداً جدا عن الأوبرا، وينبغي أن ننأى به عن الأوبرا لأن الأوبرا بسيطة، أما الأوبريت فهي تقنية فنية غير موجودة لدينا، لأنها شيء لطيف فيه القليل من الأغنيات والاستعراضات. خلاصة القول: إن المسرح الغنائي هو المسرح الشامل الذي يحتوي على الفكر.

إذا اعتبرنا الفنون الستة بالأساس واعتبرنا السينما الفن السابع، ومعروف أن الفنون الستة هي: الشعر والأدب والفلسفة والموسيقى والنحت والرقص وكل هذه الفنون موجودة في المسرح الغنائي وإذا أضفت لها السينما، هذا هو المسرح الشامل.

إنطلياس بلد أجدادكم ومسقط رأسكم، هل لهوائها وسحر مناظرها تأثير على الرحابنة، فمنحتهم ذاك الذكاء والعبقرية؟

إنطلياس هي مدينتنا وبلدنا ونحبها كثيراً واسمها الحقيقي أنتي هيليوس ومعناها باللاتيني «الشمس العاكسة»، وكانت مثلما يخبرني والدي الأستاذ منصور كلها بساتين ليمون، وأصبحت اليوم كلها « باطون» وراحت ريحة زهر الليمون منها . من زواريبها كانت بداياتنا ، ومن هوائها وبحرها الممتد المفتوح على مرمى النظر، كانت تلك البدايات الناجحة والملهمة. نحب أنطلياس كثيراً ، ففيها تربينا وترعرعنا، ومنها كانت انطلاقتنا وسنعود إليها لندفن فيها.

دائماً تغمسون أصابعكم في السياسة، وأحيانا لكم انتقادات لاذعة للساسة، فهل أنتم بالمقابل قادرون على المواجهة، ألا تخشون أن تحرقوا أصابعكم، وتحمل الأذى ممن انتقدتموه؟

الشعب العربي وخاصة اللبناني يصحو من النوم على السياسة، يفطر سياسة ويتغدى سياسة ويتعشى سياسة. السياسة في دمنا وحياتنا.. والسياسة في كل كل شيء يدور من حولك يهمك، ويؤثر عليك سواء سلباً أو إيجاباً. هناك رقابة رحبانية ذاتية.

ولا نخشى أن نحرق أصابعنا، لأننا نعرف كيف نحكي وما هو الحكي، ويخرج الكلام من عندنا بوعي وهو ليس كلاماً مجانياً، أي يلقى على الغارب. نحن نتكلم عن العدل وعن الفقر وعن الرشوة والزعبرة، وهناك ثلاثة عناوين رئيسة تشغلنا وهي الله والإنسان والوطن.

هل يتدخل الوالد في كل كبيرة وصغيرة في حياتكم وأعمالكم؟

نحن ديمقراطيون كثيراً على الورق، وديكتاتوريون جداً في العمل، نتناقش كثيراً، ولا شك أن الأستاذ منصور علمنا ألا نتساهل، وأخطر ناقد هو ذاتك. وعلمنا مسألة وهي أنك عندما تكتب لا تحضر معك ممحاة كبيرة، لا تخاف من المحو. و«نحن صعبين مع بعضنا.. وما حدا بيصفق للثاني .

وما حدا يعجب بشغل الثاني.. الأستاذ منصور صعب جداً وهو يتدخل بأعمال غدي وأسامة ومروان. ولكن هناك الكثير من الشراسة في بيت الرحباني. نحن بيت الرحباني كثير شرسين، فإذا صار مشكل في بيتنا، فإن الناس بيبلشوا يهربوا، ويسكروا الأبواب على حالهم. ولكن حالما نخرج من الغرفة ينتهي كل شيء».

فلسطين ... ماذا قدمتم لها؟

أقول لك وبكل تواضع الأخوان رحباني هما من بدأ المقامة الفلسطينية من مصر العام 1955، فمن هناك كتبا«راجعون» ، رفضوا كل ما عرض عليهم من أعمال ، وكتبوا «راجعون» ومن بعدها «زهرة المدائن» و«الغضب الساطع» و«يافا»، أي أن الأخوين منصور وعاصي أسهما بنهضة الفكر الثوري.

حوار: محمد نبيل سبرطلي