بدايته لم تكن في سياق المتوقع، حيث ظل يكره الرسم، ولا يعرف من عالم الكاريكاتير شيئاً، وحينما كان في سنوات المدرسة الأولى، دأب على تحويل دروس الفن والرسم إلى فسحة للهو فقط، فيما هو الآن، وقد بلغ 28 عاماً، أصبح رساماً مولعاً بفن الكاريكاتير، أنجز منه نحو ألف لوحة معبرة عن فلسطين والعالم، وفي مختلف المجالات، وهو دائماً يحمل همَّ الوطن أينما حل.. إنه أمجد الرفاعي ذلك الشاب القادم من فلسطين.
حينما بلغ امجد الرابعة عشرة من عمره، غادر فلسطين للمرة الأولى في زيارة محددة لخاله جلال الرفاعي المقيم في الأردن، وهو رسام كاريكاتير معروف، وذات يوم جلس قرب خاله في غرفته، وكان يرسم لوحة كاريكاتيرية خاصة بصحيفة «الحياة الجديدة» الفلسطينية، وتجسِّد مدفع دبابة إسرائيلية وعلى فوهة المدفع ترفرف حمامة سلام حاملةً غصن زيتون، فأشفق على الحمامة وصمت. بعد عشرين يوماً عاد إلى قريته القريبة من رام الله وتدعى كفر عين، وصباح أحد الأيام انتقى رسماً كاريكاتيرياً، وجده في إحدى الصحف، وحمل معه مستلزمات الرسم البسيطة المتوفرة، وصعد فوق سطح منزله مستظلاً بأوراق وقطوف العنب المتدلية، وراح يقلِّد الرسم الموجود أمامه، وعندما انتهى منه، توجه واضعاً إياه أمام ناظري والدته، ففرحت به كثيراً، وما كان منها إلا أن أحضرت له في اليوم التالي دفتر رسم وريش وألوان وأقلام لم يستخدمها من قبل، وهنا كان التحدي الأول لأمجد الرفاعي مع الرسم، حيث لا يعرف كيف ومن أين يبدأ.
في المدرسة، ظل أمجد ينتقد المعلمين والطلبة برسومات يخفيها عن الجميع، وذات يوم كُشف أمره، وبدل من أن يعاقب، منحه مدير المدرسة هديةً، وأخبره عن موهبة يمتلكها، وتحتاج منه اهتماماً أكبر، ففرح قلبه كثيراً، وانطلق إلى عالم الكاريكاتير بجرعة أكبر من الثقة والأمل وعندها بدأ أمجد يسهر طويلاً .
وهو يرسم ويبدع مرة تلو الأخرى، متسلحاً بسماع الأغنيات الوطنية لكل من مرسيل خليفة وأحمد قعبور وفيروز والشيخ إمام وسيد درويش، التي كان يحصل عليها عن طريق تسجيلها من الراديو الذي لا يهدأ، حيث كانت الانتفاضة الفلسطينية تتأجج يوماً بعد يوم، وكان هو يكبر معها، حتى صارت عنواناً لكل ما يرسم.
وبعد أن أنهى أمجد دراسته الثانوية، توجه إلى صحيفة الحياة الجديدة في رام الله، طالباً مقابلة رئيس تحريرها حافظ البرغوثي، ليقدم له رسما كاريكاتيرياً عن مناسبة يوم الأرض التي كانت قريبة، فاقترب منه ووضع الرسم على مكتبه، وتلك كانت بدايته ليرى رسوماته تخرج إلى الملأ، وحينها فوجئ البرغوثي بقوة تعبير اللوحة التي تحمل بصمات شاب في مقتبل العمر، وقال له: «كي ترسم جيداً عليك أن تقرأ كثيراً، فالقراءة مفتاح الخيال».
التحق أمجد بكلية الإعلام في جامعة بيرزيت في العام 1998، وفي ذلك المكان صادفته نقطة التحول الكبرى، رغم أنه كان دوماً يرفض العمل الجامعي تحت لواء أي تنظيم سياسي أو حزبي، وبدأ يرسم قسوة الحياة تحت الاحتلال الإسرائيلي، ومعاناة الأهالي والطلبة، وفي الجامعة تمكن من إقامة ثلاثة معارض فنية مستقلة لا تنتمي لأي توجه إيديولوجي أو جهة حزبية.
رسم أمجد الرفاعي حتى الآن ما يقارب 1000 كاريكاتير، اغلبها يدور في فلك معاناة الفلسطينيين، فالرسم أصبح جزءاً من كيانه الداخلي وطريقة للتعبير عن الأشياء كالكلام والكتابة والرفض والقبول، كما يقول، مضيفاً انه عندما يبدأ في الرسم يبتعد عن الناس والضجيج والفوضى، فيكفيه ما لديه من ضجيج داخلي، وهو القهر الذي يعيشه الناس في فلسطين.
يقول أمجد: «عندما أبدأ الرسم أدخل في حالة أشبه ما تكون بالتفريغ، أفرغ نفسي وما لدي وما بداخلي، وأتحدث مع نفسي أولاً، ثم أبدأ حديث الخواطر مع شخصياتي الكرتونية، وأشعر بأنني الآن قد استعدت صوتي وأنني قادر على الصراخ لأسمع كل من حولي، والصراخ هنا أشبه بسيجارة يشعلها المدخن عندما يشعر بالكبت أو الضيق، وأنا غير مدخن، ولكن إن استفزني شيء ما حتما سأشعل قلمي».
سافر أمجد من فلسطين إلى الإمارات بعد أن تخرج من الجامعة في العام 2002، وكانت الظروف المعيشية هناك قاسية جداً، وتئن تحت قسوة الاحتلال وجبروته، فإما أن تجد عملاً براتب قليل لا يؤمن احتياجاتك الخاصة أو التزاماتك العائلية، وإما أن تحصل على عمل لا يمكنك الوصول إليه بسبب الإغلاق الدائم والحواجز العسكرية الإسرائيلية، والأغلب ألا تجد عملاً في ظل تلك الظروف، فاضطر أمجد إلى القدوم إلى الإمارات بهدف العمل.
وعمل الرفاعي محرراً صحافياً بقسم العلاقات العامة في تلفزيون الشارقة، وكانت له تجارب نشر رسومات كاريكاتيرية سياسية من خلال بعض البرامج التلفزيونية، بالإضافة إلى رسم بعض ضيوف البرامج المباشرة، وترافق ذلك مع دراسته في معهد الشارقة للفنون الجميلة لمدة سنتين، والحصول بعد ذلك على عضوية جمعية الإمارات للفنون التشكيلية. بعد ذلك انتقل أمجد للعمل كمعد برامج في إذاعة رأس الخيمة مدة ستة شهور، ثم إلى تلفزيون «انفينيتي».
وهو يعمل حالياً مخرجاً لبرنامج عن السينما العالمية، بالإضافة إلى عمله مخرجاً منفذاً في برنامج المجلة الاقتصادية، وعدد من البرامج الاجتماعية الأخرى. ورغم هذا الواقع إلا أن أمجد لا يزال منتمياً إلى الصورة الصماء «الكاريكاتير»، التي تحمله معها في مختلف البرامج التي يعمل بها، وهذا يبرهن مرونة هذا الفن وجماهيريته، فالكاريكاتير فن الجماهير، كما يعتبر أمجد الرفاعي.
والأهم من ذلك، يؤكد أمجد أنه وبعد تخرجه من الجامعة بأيام قليلة، واجه واقعاً كان الأصعب بالنسبة له، وهو اعتقال قوات الاحتلال الإسرائيلي لشقيقه الأصغر محمد، الذي كان على وشك التخرج من الجامعة، والحكم عليه بالسجن سبع سنوات ونصف، وذلك ترك أثراً عميقاً في نفسه، وراح يرسم بتوسع أكبر ولوقت أطول، ولم يتردد حتى في تحويل رسالة هي قصيدة كتبها محمد لوالدته من خلف أسوار السجن، إلى رسم كاريكاتيري.
دبي ـ عنان كتانة

