كان صغيراً في مرحلة المراهقة، يعيش لحظات شاعرية وتأملية وفنية، تنقل في أحشائها حلماً يطارده في كل أحواله، ووالده كان مولعاً بالعزف على آلة العود، بينما هو يراقب فيه حس الموسيقى ويتعايش مع أنغامها دون أن تطالها أنامله، راح مرة يطلب العزف على تلك الآلة التي استهوته، فوجد ممانعة شديدة من أبيه الذي أراده فقط في الدراسة، عندها ازداد إصراره للإمساك بتلك الآلة، وظل يقترب منها خلسة، فيجد أباه منتفضاً في وجهه مبعداً إياه عن الغوص في تفاصيل الموسيقى، بقصد أنه يريد له واقعاً أفضل، ومن هنا استفاقت بداية الشاعر والملحن حسام خوري، الذي يكتب القصائد المغناة ويلحنها ويسوقها بأصوات الفنانين.
لم يمل حسام ممانعة أبيه من الغوص في تفاصيل الموسيقى، وراح يبحث عن حل يقربه من آلة العود التي عشقها من النظرة الأولى، وكان ذلك في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، وبدأ يحتفظ بالمال حتى تمكن من جمع 150 ليرة سورية من مصروفه المدرسي، اشترى بها آلة عود معطلة، وحملها إلى البيت، فوقف والده أمامه مستغرباً رافضاً وقابلاً، وما كان منه إلا أن وافقه الحلم ربما مجبراً بفعل إصرار الصغير.
المضحك المبكي
الأب أصلح أوتار عود حسام الجديد، وتركه يعزف منفرداً، ومنذ تلك اللحظة تفجرت إمكاناته الشعرية والفنية، وراح يعزف ويكتب الشعر ويلحن الأغنيات، وبلا سابق إنذار وجد نفسه يكتب الشعر المضحك المبكي في آن معاً، ما يدلل على شخصيته الجدية المحبة للحياة والتي بكل تأكيد عانت من صعوبات كثيرة، لذلك فهو على الدوام يحمل هماً وقضية، ولا ينسلخ عن واقعه أبداً، وقد كتب أغنيات وطنية ترصد الحال العربي.
وعند هذا الواقع، سار حسام مكملاً دراسته الثانوية والجامعية في تخصص التجارة والاقتصاد، ومستمتعاً بتعلم أصول النوتة الموسيقية على يد الأستاذ ميشيل عوض، وبعد ذلك بدأ يستمع إلى كبار الفنانين ويساير أغنياتهم في اللحن والكلمة، ثم ما لبث أن وجد نفسه يكتب الأغنيات ويلحنها ويتألق معها، رغم أنه تعرض لحادثة كسر العود على رأسه من قبل والده في أحد الأيام، لكونه ظل يستمع إلى أغنية «أحن إلى خبز أمي» ويلحنها لثماني ساعات متواصلة، وحسام أتم إلى الآن كتابة ما يزيد على 240 أغنية، لحن منها نحو المئة، وتعامل في العشرات منها مع فنانين وفنانات من مختلف الفئات، وكل ذلك جاء بفعل المساندة المتأخرة بعض الشيء التي وجدها من والده.
حادثة أليمة
وبعد حادثة أليمة واجهها في بلده الأم سوريا، حيث فقد أمه وأخيه في حادث سير، صار حسام مضطراً أكثر لمساعدة عائلته، فسافر في العام 1999 إلى دولة الإمارات بقصد العمل، دون أن يلغي من مخيلته حلمه بأن يتألق في الشعر والتلحين، وفي الإمارات عمل في البيع والتسويق بأبوظبي، وفي العقارات والمبيعات وتنظيم الحفلات والفعاليات، حتى انتقل مديراً للإنتاج في قنوات «ميوزك بلس» و«غير ون» و«أوتار».
وبمجرد وصوله دولة الإمارات، توجه حسام إلى وزارة الثقافة طالباً حماية ألحانه ونصوصه الشعرية، وبالفعل كان له ما أراد بسهولة، وهو الآن يكتب ويلحن ويحمي أغنياته دون أية معوقات، فيما يعمل إلى جانب الكتابة والتلحين في شركة تنظيم فعاليات وإنتاج مع شقيقه الأكبر عاصم، والأصغر عناد، الذي دخل أخيراً عالم الغناء، حيث يستعد حسام لكتابة مجموعة من الأغنيات وتلحينها، وإنتاج الألبوم الأول لشقيقه عناد، الذي يعتبره موهبة فنية تائهة تحتاج إلى من يلتفت إليها.
الأغنية الأولى
حسام يؤكد أنه ابن عائلة فنية عشقت الموسيقى والغناء والشعر، بين ربوع سوريا الخضراء، وأول أغنية كتبها في سوريا كانت باللهجة المصرية، واسمها «حبك علي أمر»، رغم أنه كتب مئات الأغنيات بلهجات متعددة سورية ولبنانية ومصرية وخليجية، وغيرها، وفي بداياته الشعرية والموسيقية، لمس في نفسه تأثراً بنجوم فنية كبيرة، أمثال جورج وسوف وإلياس كرم وسمير يزبك ووديع الصافي.
ويجزم الملحن حسام خوري، أن العود أوصله إلى ما هو عليه الآن، ولولاه لما رأت أحلامه النور إطلاقاً، لذلك فقد كتب موالاً للعود لحنه وغناه رداً للجميل، أما حلم حسام الشعري فهو أن يتمكن من كتابة أغنية معبرة بلهجة فلسطينية صرفة، مثلما كتب أغنيات بلهجات عربية كثيرة، وتخصص أيضاً في لهجات المناطق المختلفة من الدولة الواحدة، وكان له ما أراد من النجاح، وربما أغنيتا «الخاشوقة» و«شلتاكو» اللتان كتبهما لدومنيك حوراني تدللان على نجاحه في اختيار الفكرة الأصعب، وهي المضحكة المبكية في آن معاً.
قصة «الخاشوقة»
حسام يرفض أن يوسم بـ «الخاشوقة»، التي تعني الملعقة بالتركية، فهو كتب «الخاشوقة» بفعل تأثره بقصة أليمة لصديق له عانى مع عائلة محبوبته، وهي قصة حقيقية وواقع معاش، وقد استغل حسام «الخاشوقة» لتنقله بسرعة إلى هدف الشهرة، وليس أكثر.
أغنيات كثيرة كتبها حسام ولحنها، وجلها ذات مضامين اجتماعية هادفة ومعبرة، وهو يعتبر نفسه شاعراً حاملاً رسالة أصيلة، ويكتب في قالب جدي مازح، يبكي ويضحك، ويتأثر بكبار الفنانين على مستوى العالم العربي، في حين أن أغنياته تليق بالواقع، وتوجد لديه أغنيات جميلة جداً كتبت عن دبي وعن الإمارات بأسلوب فكاهي جاد، تعالج معضلات كثيرة، وهي محط أنظار أكثر من مطرب، وحسام يفتح صفحات قاموسه الشعري والموسيقي لأي فنان، ولا يجد حرجاً من التعامل مع أي كان، طالما أنه مقتنع بالكلمة واللحن والأداء.
وفي الكتابة الشعرية واللحن، يهتم حسام أولاً بإيجاد قصيدة موزونة ذات مضمون معبر، مهما كان مجاله، وبناءً على الكلمات الموجودة يختار لها اللحن المناسب الذي بالتأكيد يحاكي الفكرة والكلمة، ويكمل من الرؤية العامة للمشروع، بحيث يخرج بنهاية المطاف بأغنية هي أشبه ما تكون بيتاً مكتمل الأركان.
دبي ـ عنان كتانة
