في القرن الميلادي السادس عشر؛ جرّد السلطان المغربي أحمد المنصور الذهبي حملة توغلت في افريقيا لجلب الأيدي العاملة من هناك بالقوة، وقدمت قوات هذه الحملة بالآلاف من أبناء البشرة السوداء ليشتغلوا في ظل سخرة وعبودية استمرت أجيالا وأجيال.
وقد انطلق هؤلاء الأفارقة في كافة أرجاء شمال افريقيا وتحديداً في مناطق المملكة المغربية الحالية، فنشروا موسيقاهم وغناءهم الأفريقي الذي اختلط بموسيقى سكان الأرض الأصليين من الأمازيغيين والعرب وغيرهم من الأعراق، فنشأ ما بات يعرف وقتها «الجناوية» أو «الكناوية» التي وصمت موسيقاهم وفنهم بخصوصية لا يشابهها شيء في الفنون المغاربية.
فانطلقت فرقهم الجوالة الأولى المعروفة بالتكناويت منشدة في كافة أحياء مراكش والصويرة والرباط مرددة أناشيد الحرية وصرخات القيود المحطمة في ظل عبودية أجدادهم، ولكنها كانت تتميز بالأداء الروحاني وأبيات المديح بحق الرسول «صلى الله عليه وسلم» ومناجاة السماء عبر ألحان ستبقى خالدة في أثير العالم لقرون طويلة لتصل إلينا عبر مجموعة من أبناء فن «الكناوة» في شمال إفريقيا...
هكذا بدأت الحكاية على لسان أحد نجوم هذا الفن الذي يلاقي انتشاراً عالمياً، وبهذه الكلمات بدأ حديث الفنان المغربي حميد القصري أحد أجمل أصوات هذا الفن الذي قدم حفلته في كاسر الأمواج بأبو ظبي بدعوة من نادي تراث الإمارات.
يقول القصري: «حين ننشد ونعزف الموسيقى في فن «الكناوة» فإننا لا نبغي من المستمع أن يسمعنا بجوارحه فقط؛ بل إن «الكناويين» يقدمون إضافة للحن الجميل والكلمات المعبرة والنغمات التي تداعب الأذن لتدخل إلى القلوب؛ إضافة لكل هذا فإن البعد الروحاني لهذا الفن هو الركن الأساسي لقيامه، لأنك لو رجعت للألحان والموسيقى والأغاني الأولى التي غناها «التكناويت» لوجدتها تسير وفق منهج واحد يسعى لتقديم السلام والحب بين الناس بعيداً عن أي مطمح دنيوي، وقد كانت فرق «الكناوة» الأولى عبارة عن فرق جوالة تطوف الأحياء وتحيي المناسبات الروحية الخاصة لأهل المغرب العربي، كما أن تلك الموسيقى ترتكز على مدح الرسول ومناجاة السماء لتخفيف آلام الناس وتقريب القلوب المتنافرة من بعضها».
أما بداياته الأولى مع فن «الكناوة» فقد كانت رحلة مع التمرد داخل العائلة، حيث انطلق للتعلم على يد أساتذة فن «الكناوة» منذ سن السابعة ولعل من أبرز المعلمين «عبد الواحد ستيتو» و«المعلم علوان»، ورغم دعوة الناس لأبناء هذا الفن لإحياء الحفلات الروحية وعشق أبناء شمال أفريقيا لموسيقى وكلمات هذا الفن؛ فإن معظم الطبقات الاجتماعية ترفض اختلاط أبنائها بهؤلاء الفنانين، وتصل حالة الرفض في الكثير من الأحيان إلى حد النبذ الاجتماعي الكامل،.
وهذا ما اتضح من رفض والد حميد القصري لاختلاط ابنه بالكناويين، ويقول القصري في ذلك: «حين علم والدي برفقتي مع فرق الكناوة وقد كنت يومها في السابعة من عمري؛ خيرني بين البقاء مع هؤلاء الموسيقيين وبين مغادرة المنزل إضافة لتبرئه مني، وكان شغفي بالموسيقى أكبر من أي شيء آخر، فانخرطت مع فرق «الكناوة» على يد «معلمين» وأساتذة هذا الفن».
استطاع القصري خلال فترة وجيزة أن يثبت اسمه كأحد ألمع نجوم «الكناوة» في المغرب، بالاضافة إلى أنه أدخل إضافات جديدة بفضل موهبته حققت له الشهرة داخل وخارج المغرب، وخصوصاً في مهرجان «برشلونة الموسيقي» الذي يشارك فيه عشرات من الموسيقيين والمطربين من كافة أنحاء العالم.
ولم يكن العامل المادي هو العامل الأساس في شغف القصري بهذا الفن، فهو يعتقد أن «الكناوة» هو فن الروح الذي يعرج من خلاله في عوالم من الروحانية التي لا يمكن إدراكها إلا من خلال هذا الفن العتيق، ورغم تحقيقه لشهرة كبيرة في هذا المجال، وصلت إلى إصداره 13 ألبوماً في الأسواق المغربية والأجنبية؛ إلا أنه ما زال يحتفظ بخطة العيش والفن «الكناوية» من تواضع وإيمان روحاني عميق بما يقدمه.
بل أنه فوق ذلك يعيش ظاهرة كناوية قديمة تتمثل بإحيائه الليالي بالصورة التقليدية، ولا يهمه ثراء أو فقر مضيفه أو الشخص الذي يدعوه، ويقول في ذلك: «حين يدعوني أي شخص لإحياء ليلة روحية؛ فإني لا أستطيع رفض دعوته حتى وإن كان فقيراً ولا يستطيع دفع الأجر، لأن ذلك يعتبر مخالفاً لمعتقدي وطريق الكناوة الحقيقي».
وعن تكفير بعض الأصوليين للكناوة وموسيقيها، يقول القصري: «فلنضع الكلمات التي نؤديها في أغانينا على طاولة النظر والتدقيق، فأين الفسق أو الكفر فيها، وكلها تندرج في مدح الرسول وذكر الله ومناجاة أسلافنا الصالحين ودعوة الإنسان للتفكر في دنياه والدعوة للتسامح والسلام بين البشر، فأين الكفر في ذلك!!».
موسيقى «كناوة» ليست موسيقى عادية بل هي موسيقى ذات إيقاعات قوية مُحمّلة بثقل الأساطير والمعتقدات الموغلة في القِدم والمشحونة بالإرث الحضاري الإفريقي البربري والعربي إنها تراث موسيقي يناجي الأرواح الخفية ويغازلها وهي سليلة المعاناة في دهور بائدة يتوسل بالإيقاعات والألوان والقرابين وإحراق البخور، وبقيت موسيقى الكناوة تعزف بالآلات القديمة التي تبدأ بالقراقب ـ ما يسمى في المشرق بالصاجات ـ لتنتهي بالآلة الرئيسية «الهجهوج» التي تشبه آلة الجيتار بصورتها القديمة.
وتكون أوتار هذه الآلة القديمة من أمعاء الماعز، وهي تعطي نغماً خاصاً يجمع بين الإيقاعية والآلة الوترية، إلا أن عقد السبعينات من القرن الماضي شهد طفرة في دخول الآلات الغربية الحديثة لفن الكناوة، حيث أدخل الفنانون المعروفون «راندي ويستون» و«جيمي هندريكس» هذه الآلة لمرافقة موسيقيي الكناوة، ليأتي من بعده الفنان الشهير «بوب مارلي» أثناء زيارته للمغرب ويعزف مع الكناويين موسيقى وأغاني ستغير من نمط هذا الفن التقليدي.
ورغم التغييرات والتحديثات التي طرأت على هذا الفن؛ فان «الكناوة» بنظر النجم حميد القصري هي «صرخة حرية وغناء المستضعفين والمعذبين في الأرض».. إنها خليط من إيقاعات افريقيا الصاخبة وأذكار الصوفية العربية القادمة من الشرق، وألحان الأمازيغ المختلطة بأنّات وآهات الصحراء، وأنغام الهاربين من جحيم الأندلس «الفردوس الضائع»، فهي أخيراً لحن الإنسان الذي يتطلع نحو السماء الغامضة.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري
