ظاهرة اقتحمت عالم الفيديو كليب منذ فترة قريبة وهي ال«Sponser» أي الراعي الرسمي للأغنية المصورة، حيث يتم تضمين إعلان تجاري داخل الفيديو كليب، وإظهاره بصورة لافتة لنظر المشاهد، ووصل الأمر إلى استغلال أهل الطرب للشركات التي يقومون بعمل إعلانات لها لإنتاج كليباتهم، نظراً لارتفاع تكلفة إنتاجها، مما يضطر الشركات المنتجة للألبومات إلى دعوة المطربين للمساهمة بجزء في هذه التكلفة.

المطلعون على خبايا الأمور على الساحة الفنية ونقاد فنيون يقولون إن صناعة الفيديو كليب أصبحت أكبر من ظاهرة الإغراء أو خدش الحياء، ووصفوا الذين يظهرون في المشاهد الغنائية بأنهم أشبه بخدع بصرية لتمرير أمور أكبر تتعلق بالإعلانات التجارية، فهذه الصناعة تضم شركات إعلانية تبحث عن طرق جديدة للتسويق، وتضم أيضا شركات وماركات عالمية تحاول عرض منتجاتها بأي طريقة، وفي النهاية قد تكون صناعة الفيديو كليب أقل كلفة من الإعلان المباشر الذي صار مكشوفا وغير مجدٍ في بعض الأحيان..الإعلان .. الممول الأساسي للفيديو كليب إذا ما دققنا في هذه الصورة سنرى أن الإعلان التجاري صار عنصرا مهما في الفيديو كليب بل صار هو الممول الأساسي، فبعض الإعلانات التجارية لا تكلف نفسها أي عناء فهي تصر على إظهار المنتج بصورة واضحة وملفتة، وفي أحيان كثيرة يتم التعاقد مع الفنان على تصوير أجزاء من الأغنية لصالح المنتج.

ومن ثم يتم نشر الفيديو كليب للأغنية كاملا بعد أن يربط المشاهد بين الأغنية والمنتج كما حدث من قبل مع الفنانة نانسي عجرم وغنائها لأغنية «الدنيا حلوه» لصالح إحدى شركات المياه الغازية التي تعاقدت أيضا مع حماقي لبدء حملة إعلانية ضخمة لصالحها، ولكن بطريقة مباشرة، وفي الطريق لنفس الشركة تامر حسني لنفس الغرض.

وفي النوع الثاني تلجأ بعض الشركات إلى الحيلة والدهاء، وهنا تكثر الوسائط والوسائل فمرة وقبل طرح الفيديو كليب تبادر الجهة المنفذة إلى نشر تفاصيل مراحل التصوير كأن يتم الإعلان عن مواقع التصوير في المحلات المعنية، أو حتى المواقع الجغرافية ذات الطابع السياحي.

أو أن يتم حشر المنتج في تقنيات تصوير الفيديو كليب كالملابس والأزياء التي يرتديها الفنان، فمن المعروف أن مطربة الإغراء «ماريا» تمتلك دارا للأزياء الخاصة بها وهي تحرص على الظهور بها في كل تصوير كما حدث في كليبها الأخير «باحب الماس» التي استطاعت فيه أن تقدم تشكيلة رائعة من الملابس المثيرة لصالح إحدى دور الأزياء العالمية.

الحال نفسه مع الفنانة إليسا المتعاقدة مع دار أزياء عالمية لا تبخل عليها فيما تطلب من أزياء وإكسسوارات، ومتعاقدة أيضا مع «لازوردي» إحدى شركات مجلس الذهب العالمية. أما الطريف في الموضوع فهو محاولة كثير من الشركات تقليد الأشياء المعروضة في الفيديو كليب وترويجها على أنها تقليد لتلك الماركات العالمية والكبرى الظاهرة في الأغنية أي أنهم يستفيدون مما يدفعه الكبار في سوق الإعلان التجاري.

قائمة المطربين والمنتجات

وتضم قائمة المطربين مروجي الإعلانات التجارية في ألبوماتهم اللبنانية نانسي عجرم، راغب علامة، عمرو دياب، هيفاء وهبي، نوال الزغبي التي أكدت مؤخرا أنها نادمة على ما قدمته من دعاية وإعلانات لبعض الشركات منها شركة مياه غازية كانت تعلن لها في كليب «روحى يا روحي»، وأيضا إعلانها لإحدى ماركات الموبايل العالمية في كليبها الأخير مع عالم الفن «ياما قالوا» لأنها تمزج الفن بالنشاط التجاري - على حد قولها - وتضيع من وقت الفنان لصالح فنه وجمهوره وهو الأهم من وجهة نظرها.

أيضا تنوعت الإعلانات التجارية ما بين شركات محمول، ومياه غازية وكريمات تجميل والبداية كانت مع المطرب عمرو دياب الذي تقتحم معظم كليباته العلامة التجارية لشركة بيبسي، ونفس الشركة اقتحمت كليبات اللبنانيات هيفاء وهبي، أليسا، نوال الزغبي وغيرهن. فيما استعان فريق «واما» بإحدى شركات إنتاج كريم الشعر في تصميم كليب أغنيتهم الأخيرة.

ومن السيارات في كليبات المطرب اللبناني راغب علامة إلى إعلان البوتاجاز في كليب أصالة «خليها على الله» تترسخ تلك الظاهرة بطريقة واضحة جدا للمشاهد العادي وكأن هذا الكليب المفترض أنه ديني الجوهر ولكنه إعلاني الهدف بالطبع» ما هو إلا وسيلة للدعاية لأكبر كمية من الأدوات والأجهزة المنزلية، وكان من إخراج طارق العريان الذي سبق أن فعل ذلك في كليب فريق واما «تحلفلي أصدق» الذي احتوى على الكثير من المنتجات التي عرضت على المشاهد الذي تناسى الأغنية تماما وركز مع كمية الإعلانات المعروضة في الكليب.

تجربة فريدة للمنتج محسن جابر

المنتج محسن جابر يكتفي هذه الأيام بوضع إعلان عند بداية عرض كليب جديد لأي مطرب من الشركة أو خارجها وهى موضة جديدة، وهى عبارة عن إعلانات لكريمات الشعر أو مستحضرات تجميل، وينزل عليها اسم صاحب أو صاحبة الكليب دون تضمين أي كليبات من مطربي الشركة لأي إعلان مباشر، وهى فكرة جديدة ابتدعها، وانتقلت بالطبع إلى شركة ميلودي التي استغلت نجاح الفكرة وخصوصا إذا كانت هذه الأغنية تذاع حصريا على شاشات أي منهما.

بزنس سوق الكاسيت

المخرج ياسر سامي يعلق على هذه الظاهرة بقوله إن إقحام إعلان تجاري داخل الكليب يحول سوق الكاسيت إلى بزنس وهي وسيلة جديدة للإنتاج تسيء إلى صناعة الفيديو كليب، وأيضاً إلى نجوم الطرب الذين يوافقون على تلك الإعلانات بحجة حالة الركود التي يشهدها الوسط الغنائي حالياً، مؤكداً أن فكرة «الاسبونسر» أو الراعي ذكية جداً في حد ذاتها، ولكن أن تصل إلى حد إهانة المطرب، وإظهاره كأنه تسول الإعلان لإنتاج الكليب الخاص به فهذا مرفوض تماماً.

أضف إلى هذا أن شركات إنتاج الأِشياء المعلن عنها تكون ذكية جداً حيث تهتم فقط بالمنتج داخل الكليب بكل التفاصيل من حيث موعد ظهوره وطريقة تقديمه من جانب المطرب، ومتى يختفي، ولا تبدي أي اهتمام بالمطرب، أو بشكل الأغنية في الأساس.

وفي النهاية يرى ياسر سامي أن الإعلان بهذه الطريقة يجعل الجمهور يكره هذه السلعة لأنها تفسد عليه متعة المشاهدة بالأغنية في أغلب الأوقات.

ثقافة ضعيفة

لكن الناقد الموسيقي طارق هاشم يرى أن ظاهرة الإعلان في الفيديو كليب ليست بغريبة أو مستحدثة ولكنها من فترة كبيرة لأن الكليب جزء من تشريع الحالة بأكملها والتعامل مع الأغنية كسلعة، وبالتالي فهو تجاري من الدرجة الأولى. وبعيدا عن الإعلان تجد أن الأغنية في وادٍ والكليب في واد آخر أضف إلى ذلك التركيز الشديد على الفتيات، وبصورة غير لائقة بالمرة، بالإضافة إلى المشاهد الصادمة التي يراها المشاهد وجميعها لا يمت للأغنية بأي صلة نهائيا.

وأحب أن أضيف شيئا مهما وهو أنه يتوجب على المخرج أن يكون دارسا جيدا للنوتة لكي يضع الصوت مع الصورة وكلا في مكانه الصحيح، ولكننا نرى العكس تماما، إذ نجد أن الكليب ما هو إلا شكلا من أشكال الدعاية، وهو ما يقره المنتج ليكون دعاية، حيث إنه هو المسيطر على كل شيء لكي يخرج في النهاية بمكاسب وهو يعلم جيدا أنها تجارة لا يهمه في النهاية أن تلقى الأغنية النجاح من عدمه.

أشار هاشم في هذا السياق إلى الثقافة الضعيفة لدى المطربين، وأن المطرب هو من يفعل هذا بنفسه، ويضيع حقوقه بتركه كل شيء للمنتج حيث يرى أنه لو لم يفعل هذا لن يجد من ينتج له، وهذه هي سيطرة رأس المال وفي النهاية من البديهي أن أرى كليبا به إعلانات، وليس إعلانا واحدا فقط، وفي الغالب يكون كليبا فاشلا، ولن تكون له أي ذكرى فيما بعد.

الكليبات.. سلعة في حد ذاتها

من جانبه علق الناقد الموسيقي أشرف عبدالمنعم قائلاً: إن الكليبات التي يمكن أن تحصل على دعم مادي من الإعلانات التجارية التي تتخللها أمر مزعج لكل مشاهد لأنها تقدم المنتج بطريقة غير موظفة جيدا وتجعلنا ندرك وجود الإعلان ذي الهدف التجاري، عكس ما هو موجود بالخارج حيث يقدم المنتج دون الشعور به تماماً.

ولكن عموماً أصبحت الكليبات حالياً سلعة في حد ذاتها تعرض كل شيء من عري وإسفاف، وأصبحت الكليبات بلا معنى، وبالتالي لا أجد مشكلة في الإعلان عن منتج داخل كليب غنائي ففي كل الأحوال لا نشاهد تلك الكليبات التي تسبب ارهاقاً بصرياً للمشاهدين.

فشركات المشروبات الغازية «البيبسي» تنافس شركات أخرى «كوكولا» على تنفيذ فيديو كليب لفنان أو فنانة مشهورة من أجل ترويج مشروبها، كما حدث مع الفنانة نانسي عجرم والفنانة أليسا، وحدث الأمر نفسه مع الفنانة نوال الزغبي وعمرو دياب، بعدها دخلت على الخط محلات المجوهرات، ودور الأزياء، وشركات السيارات والساعات، أي لم يتبق أي منتجات استهلاكية إلا وحاولت أن تصنع لنفسها إعلانا غير مباشر يتخذ من الفيديو كليب وسيلة للوصول إلى أكبر عدد من المشاهدين.